إيجارات 15 سنة تزيد عن فوائد قروض تملك السكن للمدة نفسها
الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي وبالتالي السياسي متعلق بدرجة كبيرة بمستوى المعيشة للمواطن ومستوى الخدمات الأساسية المتوافرة له إسكانية وتعليمية وصحية، والاستقرار لا يعني الثبات فالاستقرار هو البنية التحتية لدى المواطن كفرد والمجتمع كمجموعات من الأفراد للعطاء والإنتاج والابتكار والإبداع والتطوير، نعم فالبلد المستقر هو ذلك البلد الذي يساير التقدم ولا يقف فيتقادم فيعاني من اضطرابات تؤسس لانعدام الاستقرار وما يترتب على ذلك من مشاكل أمنية ذات إفرازات تراكمية خطيرة.
والسكن الذي يعتبر الحاجة الأساسية الثانية في سلم الحاجات الإنسانية بعد المأكل والمشرب من حيث توافره وفي الوقت المناسب أولا ومن حيث مواصفاته نوعا وحجما ومدى ملاءمته للساكن وأسرته ثانيا، يعتبر عنصرا مهما في الاستقرار النفسي أولا والاجتماعي ثانيا والاقتصادي ثالثا والأمني والسياسي بالنتيجة.
والإسكان في كثير من الدول يستخدم كوسيلة مهمة في توجيه الحراك الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي التوجيه السليم المرغوب الذي يحقق أهداف الدولة التنموية، ففي كثير من الدول يستخدم لمزج المواطنين اجتماعيا وثقافيا وتحويل ولائهم الفرعي سواء للمنطقة أو العائلة أو القبيلة أو الطائفة إلى الولاء الأهم وهو الولاء للوطن الذي يتعايش فيه الجميع ويعملون معا على تنميته، لذلك تجد في هذه الدول توفير السكن كحاجة أساسية قضية، والسياسات الإسكانية المتعلقة بالتنمية قضية أخرى تماما ذات صلة وثيقة بالمسارات الاستراتيجية للدولة في تنمية المجتمع.
ورغم حرص جميع الدول على توفير السكن الملائم وفي الوقت المناسب للمواطن إلا أنها تتفاوت في تحقيق هذه الغاية المهمة بناء على المعطيات، فمنها من حقق هذه الغاية بنجاح ومنها من هو متعثر، ومنها من فشل فشلا ذريعا، وبطبيعة الحال لكل حالة إفرازتها الإيجابية أو السلبية حسب درجة النجاح أو الفشل في توفير السكن للمواطنين.
وعند مراجعة جميع التجارب الإسكانية العالمية الناجحة والفاشلة فإننا نصل إلى حقيقة مهمة وهي أن الدولة مهما كانت قدراتها المالية لن تستطيع أن تستمر وحدها في توفير السكن المناسب في الوقت المناسب للمواطنين فضلا عن استمراريتها في توفير باقي الخدمات الأساسية كالتعليم والعلاج، لذلك فإن هذه الدول التي تعتبر سباقة في إيجاد الحلول نتيجة لتعرضها للمشاكل الإسكانية قبلنا لجأت لحلول عملية قابلة للتطبيق، حلول قائمة على تفعيل آليات السوق في توفير الخدمات الإسكانية من خلال دورة مالية مكتملة تحقق نتائج إيجابية لجميع أطراف القضية الإسكانية وهي الحكومة والمطور الإسكاني والممول والمستفيد وإفراد المجتمع، لذا فإن عصب توفير السكن المناسب وفي الوقت المناسب للمواطن هو اكتمال الدورة المالية الإسكانية، وهذه الدورة تكتمل في وجود بنية أساسية تقوم عليها وهي حزمة من الأنظمة المتكاملة القابلة للتطبيق مع توفير آليات تطبيقها وعدم التهاون في ذلك لأي سبب كان، نعم فالتهاون في التطبيق مراعاة لحالة أو اثنتين لأسباب عاطفية يؤدي إلى الإضرار بأعداد كبيرة من المواطنين وبالتالي المجتمع والوطن عامة.
والمحور الرئيسي في الدورة المالية للتمويل الإسكاني هو تمويل المواطن لرفع قدرته الشرائية ليستطيع شراء المنزل المناسب بضمان دخله الشهري دون التأثير على المتطلبات المعيشية الأخرى، بمعنى أن يستطيع أن يتملك منزلا بقيمة الإيجار الشهري الذي يدفعه ويذهب هباء منثورا.
ولأوضح فوائد وجود أنظمة تمويل من هذا النوع أقول إن المواطن الذي ينتظر من 10 إلى 15 سنة ليحصل على القرض الإسكاني بدون فائدة أو بفائدة منخفضة يكون قد دفع من الإيجارات ما يزيد على الفوائد المترتبة على القرض الإسكاني الذي يستطيع أن يحصل عليه منذ السنة الأولى من عمله وتكوينه أسرته، وتحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي هو وأسرته في الوقت المناسب، بدلا من الوضع الحالي، حيث تشير دراسة أجريت في مكة إلى أن أكثر من 40 في المائة من المتقاعدين لا يملكون منازل، فما بالنا بمن هو في الأربعينيات من العمر.
إن توفير آليات تمويل إسكاني ليستطيع المواطن الحصول على السكن ليست فقط قضية تنشيط قطاع استثماري مهم وحيوي ومربح فقط، بل هي قضية استقرار نفسي واجتماعي واقتصادي وأمني وسياسي، والتجارب حولنا تؤكد ذلك، لذا فإن على الدولة دور ملح كي تبادر بتطوير البنية التحتية للتمويل الإسكاني بأسرع وقت، وأدعو رجال الأعمال لاغتنام الفرصة الاسثتمارية الكبيرة التي يطرحها قطاع التمويل الإسكاني بتأسيس شركات أو بنوك تمويل إسكاني خاصة، فإن الحاجة كبيرة والقدرة على الشراء بالتقسيط المريح أكبر.