قوة التملك بين شكلية الحجة والآمر بالمنحة
هذا المقال امتداد لمقال الأسبوع الفائت، والحديث سيكون حول تعارض الحجة الصادرة من المحكمة، والمنحة الصادرة من كاتب العدل أو من القاضي في حال لم تكن هناك كتابة عدل في المدينة، بداية لا بد من الإشارة إلى الصور التي ترد للمحاكم بهذا الخصوص، فمن ذلك: أن تصدر الحجة سابقة للمنحة ثم تخرج المنحة بعد ذلك، إما بتدليس من صاحب المنحة وإما بتجاوز من الجهة المختصة، وقد يكون العكس فتخرج الحجة على موقع سبق منحه لأحد المواطنين وتحصل على صك بذلك، والصورة الثالثة والأخيرة أن يتقدم من يطلب استصدار حجة له على موقع ما فيتقدم صاحب المنحة معترضا على ذلك قبل انتهاء إجراءات الحجة، هذه أشهر الصور التي ترد للمحاكم.
ما العمل في مثل هذه الدعاوى؟ هل تقدم الحجة على اعتبار أنها صادرة من المحكمة، وأن صدورها استغرق وقتاً طويلا ومر بعدد من الإجراءات من الإعلان والكتابة لعدد من الدوائر وإحضار الشهود، فهل هذه الإجراءات وطولها يكفي لتقديمها على المنحة، أم يقال إن الحجة هي المقدمة تأسيسا على أنها إقطاع من صاحب الصلاحية وبالتالي تكتسب قوة من قوة الآمر بها، ولاسيما وأنها قد تكون " منحة صريحة " أي صادرة بأمر سام، أي من أعلى سلطة في البلاد؟
في الواقع لا أثر – فقها وقضاء - لما سبق كله في ترجيح أي من الصكين على الآخر، فلا شكلية الحجة كافية في تقديمها على المنحة، ولا سلطة الآمر بالمنحة كافية كذلك، والمقرر في الفقه والمعمول به في القضاء أن العبرة - حال النظر في الدعوى - : هو بسبق التملك، فمتى أثبت أحد الطرفين سبق تملكه للأرض فهو المستحق لها سواء كان يحمل صك حجة أو منحة، وفي الغالب فإن الحكم في هذه الدعاوى يكون لصاحب الحجة، لا لشكلية الحجة – كما سبقت الإشارة إليه – بل لأنه في الغالب يثبت سبق تملكه للأرض على صاحب المنحة الذي يستند كثيرا إلى أنه تسلم الأرض من الدولة ويظن أن هذا كاف بكسبه للقضية، ملتفتا إلى قوة المصدر المانح له، وغفل عن أن هذا الوصف لا أثر له في القضية، وليس من موجبات الترجيح في الدعاوى.
في المقابل يقلل البعض من حجية الصكوك الصادرة من كتابات العدل، ويظن أنها لا يمكن أن تقدم على الصكوك الصادرة من المحاكم للاعتبارات الشكلية، وهذا خطأ فالحجية للصكوك الصادرة من الدوائر الشرعية واحدة ولا أثر للجهة المصدرة لذلك، وقد جاء النص على ذلك في نظام القضاء الصادر عام 1395هـ في المادة 96 " الأوراق الصادرة عن كاتب العدل بموجب الاختصاص المنصوص عليه في المادة (93) تكون لها قوة الإثبات ويجب العمل بمضمونها أمام المحاكم بلا بينة إضافية، ولا يجوز الطعن فيها إلا تأسيسا على مخالفتها لمقتضى الأصول الشرعية أو تزويرها".
بقي أن أذكر أنه في حال تم الحكم لصاحب الحجة فإن لصاحب المنحة الرجوع على المانح بالتعويض حسب الأنظمة، ويلزم لإزالة مثل هذا اللبس والتداخل أن يكون لدى البلديات ما يكفل عدم إصدار المنحة إلا بعد التأكد من خلو الأرض من التملكات، والله من وراء القصد.
- قاض في وزارة العدل
[email protected]