رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تفجر "أوبك" مفاجأة جديدة في اجتماع فيينا غدا؟

تعقد منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" اجتماعها الـ 139 في فيينا غداً، لمناقشة أوضاع أسواق النفط العالمية وإنتاج المنظمة، خاصة في الربع الثاني من العام الحالي. وكانت تصريحات وزراء "أوبك" منذ الاجتماع الماضي في الكويت متضاربة، كالعادة ففي يوم 22 كانون الأول (ديسمبر) الماضي صرح أحمد الفهد الصباح وزير الطاقة الكويتي أن "أوبك" قد تخفض الإنتاج إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض. بعد ذلك بأسبوع طالب كاظم فزاري جمانة وزير النفط الإيراني الجديد، دول "أوبك" بتخفيض الإنتاج بمقدار مليون برميل يومياً في اجتماعها المقبل في نهاية الشهر الحالي. وخلال الفترة نفسها قال عدد من وزراء "أوبك" إنه ليس هناك حاجة لتغيير سقف الإنتاج.
هناك سؤالان يتصدران وسائل الإعلام كلما اجتمعت "أوبك": ماذا ستفعل "أوبك"؟ وما أثر ذلك على أسواق النفط العالمية؟
الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي فهم سلوك "أوبك" وتصرفاتها وقدراتها.
وقبل فهم هذه التصرفات لا بد من توضيح المفاهيم التالية:
1- "الإمدادات" بين مفهوم "أوبك" ومفهوم السوق
يقول بعض وزراء "أوبك" إن هناك إمدادات كافية في الأسواق، لذلك ليس هناك حاجة لزيادة الإنتاج. إذا كان هذا صحيحاً، لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع؟ ولماذا تطالب الدول المستهلكة دول "أوبك" بزيادة الإنتاج؟
يقصد بـ "الإمدادات" التي يذكرها وزراء "أوبك" أنواع معينة من النفط، وهي النفوط التي تنتجها "أوبك". أغلب هذه النفوط من النوع المتوسط والثقيل. الأسواق العالمية تفيض بهذا النوع من النفوط، الأمر الذي خفض سعرها مقارنة بأسعار النفوط الخفيفة بشكل كبير، فكان الفرق تاريخيا بين متوسط سعر هذه النفوط وسعر خام غرب تكساس بحدود دولارين. لكن هذا الفرق ارتفع في الأشهر الأخيرة حتى وصل إلى عشرة دولارات تقريباً. وبما أن هناك وفرة في الأسواق، فإن هذه الأسواق ليست في حاجة إلى المزيد من الإنتاج.

2- "الطاقة الفائضة" و"الطاقة الفائضة التي يمكن تسويقها"
يصر بعض وزراء "أوبك" على أن لدى دولهم طاقة إنتاجية فائضة بدليل أن "أوبك" قررت بيعها بين شهري أيلول (سبتمبر) وكانون الأول (ديسمبر) الماضيين، لكنها لم تجد من يشتريها. في الوقت نفسه يقول الخبراء والتجار إنه ليس لدى "أوبك" أي طاقة إنتاجية فائضة على الإطلاق، بدليل الارتفاع المستمر في الأسعار وعدم قدرة المنظمة على إنتاج ما وعدت به.
الحقيقة أن كليهما على صواب لأن كل منهما يتكلم عن شيء مختلف. فوزراء "أوبك" يتكلمون عن أي نفط يمكن استخراجه، والخبراء والتجار يتكلمون عن أي نفط يمكن تسويقه. فليس كل ما يستخرج مرغوب لأنه لا يناسب النوعية التي يرغبها أصحاب المصافي.

3- "سقف الإنتاج" و"الإنتاج الفعلي"
هناك فرق بين زيادة "سقف الإنتاج" و"زيادة الإنتاج" فسقف الإنتاج هو مجموع الحصص القانونية للدول الأعضاء، بينما يقصد بالتعبير الثاني الإنتاج الفعلي فإذا كان الإنتاج الفعلي أكبر من السقف بـ 500 ألف برميل يومياً وقررت "أوبك" رفع السقف الإنتاجي بالكمية نفسها، فإن هذا لن يؤثر في الأسواق على الإطلاق. كل ما قامت به المنظمة في هذه الحالة هو جعل تجاوز الإنتاج قانونيا.

سلوك "أوبك"
تخلت "أوبك" عن آلية النطاق السعري مؤقتاً في بداية العام الماضي على أمل أن تجد نطاقاً سعرياً جديداً يتناسب مع الأوضاع الجديدة لأسواق النفط. ورغم مرور أكثر من عام إلا أن "أوبك" لم تتبن نطاقاً جديداً، وإن كان يعتقد البعض بوجود نطاق "سري" يراوح بين 45 و55 دولارا للبرميل لسعر سلة "أوبك". وتخلت "أوبك" عن آلية النطاق السعري لصالح آلية أخرى نجحت المنظمة حتى الآن في تطبيقها. هذه الآلية تعتمد على إرسال إشارات إلى التجار والمضاربين في السوق من خلال تصريحات وزراء "أوبك" واجتماعاتها عما تفكر به أو يمكنها القيام به. فإذا استجاب التجار والمضاربون لهذه الإشارات كما ترغب "أوبك" فإنها لن تفعل شيئاً في هذه الحالة، ولن تقوم بما أشارت إليه. أما إذا لم يستجب المتعاملون في أسواق النفط لإشارات "أوبك" فإنها ستفاجئ الأسواق بتغيير غير متوقع في إنتاجها. بما أن عنصري "السرية" و"المفاجأة" مهمان لنجاح سياسات "أوبك"، فإن على وزراء المنظمة إما إعطاء تصريحات متناقضة بشكل مقصود أو غير مقصود، أو تضليل التجار بعدم الحديث عن "المفاجأة". وبالنظر إلى تصريحات وزراء "أوبك" خلال العالم الماضي نجد أنه لا يوجد حتى تصريح واحد عن أي من المفاجآت التي أعلنتها "أوبك" في اجتماعاتها الماضية. عنصر المفاجأة يتطلب من "أوبك" ألا تكرر المفاجأة نفسها حتى لا يعتاد عليها التجار وتفقد أثرها على الأسواق. لذلك تفننت "أوبك" في اختراع مفاجآت مختلفة حتى لا يمكن للمتعاملين التنبؤ بما يمكن أن تقوم به، والأمثلة على ذلك عديدة.
إن الوضع الحالي يتطلب من دول ""أوبك"" عدم تغيير الإنتاج أو السقف الإنتاجي. بما أن الأغلبية تتوقع ذلك، فإنه لا بد من وجود عنصر "المفاجأة" الذي ما زال سراً حتى الآن. هذه المفاجأة ستعتمد على أسعار النفط وقت الاجتماع وتوقعات الطلب وعرض دول خارج "أوبك" في الربع الثاني من العام الحالي. بغض النظر عن الأسعار فإن "أوبك" لن تغير سقفها الإنتاجي، ولكن سيكون هناك مفاجأة هدفها في النهاية هو إلزام الدول الأعضاء بالحصص الإنتاجية إذا انخفضت الأسعار، أو إتاحة الطاقة الإنتاجية الفائضة للبيع دون تغيير الحصص الإنتاجية إذا ارتفعت الأسعار.
ما اثر ذلك على أسعار النفط؟ الحقيقة أن تصرفات "أوبك" ومفاجآتها قد تزيد من الذبذبة اليومية لأسعار النفط، لكن أثرها على المدى الطويل محدود. فالطاقة الإنتاجية الفائضة التي يمكن تسويقها لدى دول "أوبك" محدودة للغاية. كل ما هنالك أن هناك بعض المشاريع الجديدة التي سترفع من إنتاج بعض الدول خلال الأشهر المقبلة. هذه الدول لم تقم بهذه المشاريع بسبب ارتفاع أسعار النفط. فتم إقرار هذه المشاريع قبل عام 2004، الأمر الذي يعني أن هذه الدول ستنتج في ظل أي سعر، خاصة إذا كانت هذه المشاريع بالمشاركة مع شركات النفط العالمية. لذلك لن تقوم هذه الدول بتخفيض الإنتاج حتى لو قررت "أوبك" تخفيض الإنتاج. وبفرض أن "أوبك" قررت تخفيض الإنتاج بسبب انخفاض الأسعار إلى 40 دولارا للبرميل، من الدولة التي ستقبل بالتضحية بتخفيض الإنتاج في الوقت الذي ستقوم فيه دول أخرى بجني أرباح على حسابها؟ وما الدولة التي سترفض بيع النفط بـ 40 دولارا للبرميل لتبيعه في المستقبل بأقل من ذلك؟
إذا سواء قررت "أوبك" تخفيض الإنتاج أو رفعه فإن الإنتاج الفعلي لن يتغير كثيراً، وبالتالي سيكون له أثر محدود على الأسعار.
وأشارت بعض التقارير إلى أن "أوبك" قد تضطر إلى تخفيض إنتاجها في الربع الثاني لأن الزيادة في الطلب على النفط أقل من الزيادة في الإنتاج من دول خارج "أوبك"، و"أوبك" في فترة ستكون فيها مستويات المخزون مرتفعة بشكل يضغط على الأسعار. الواقع أن توقع انخفاض الدولار في عام 2006، بالإضافة إلى العوامل السياسية في البلدان المصدرة للنفط، خاصة في إيران ونيجيريا، سيرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، الأمر الذي سيتطلب من "أوبك" استمرار الإنتاج بكامل طاقتها الإنتاجية، حتى لو قامت بعض الدول بالإنتاج من مشاريع جديدة. إن "أوبك" سعيدة ومتخمة فهل هناك مفاجأة غداً؟ "إن غداً لناظره قريب"!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي