حجج الاستحكام في التعاملات العقارية

حجج الاستحكام في التعاملات العقارية

شأن الشهادة عظيم ولا يخفى على أحد, فبها تؤخذ الحقوق من أموال ودماء وغيرها, ولهذا ورد التحذير الشديد في الشريعة الإسلامية على اثنين من الشهود, فالأول الشاهد بالكذب والزور. ومن أشهر الأحاديث في ذلك وأشدها دلالة على قبح هذه الفعلة ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا, الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور أوشهادة الزور وكان متكئا فجلس, فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ", والشخص الثاني هو من يكتم الشهادة سواء طلبت منه أو لم تطلب وهو يعلم أن في كتمه هذا ضياعا للحقوق, وقد ورد في محكم التنزيل التقريع والوعيد لهذا الفعل كما في قوله تعالى " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ", وهذا النهي والوعيد ليس بالغريب على قواعد هذه الشريعة الغراء والتي جاءت بحفظ الحقوق وأدائها ورفع الظلم والجور عن المظلومين, بل إن الفطر السليمة تأبى هذه الشهادات وتزدري أصحابها لما هو معلوم من لؤمهم وقبح فعالهم.
وبالنظر لنصوص الشريعة نلحظ أنها تشتد في الوعيد في حال كان الأمر واقعا في مجلس القضاء, فالشهادة الكاذبة في القضاء عليها الوعيد المار ذكره, واليمين الكاذبة هي يمين غموس, والدعوى الكاذبة تستوجب التعزير والضمان, وتفصيل هذا يخرج عن مقصد المقالة.
يتم إثبات التملكات العقارية في المملكة بإجراءات حجج الاستحكام وهذه تكون في المحاكم, أو بإجراءات المنح وتكون في كتابات العدل ,وفيما يخص الحجج فقد ورد تنظيمها في نظام المرافعات الشرعية " وهي : إثبات التملك من غير مواجهة خصم, انظر فتاوى ابن إبراهيم 12/455 ونظام المرافعات المادة 251 ", وتستند إلى أن المالك أو من باعه قام بإحياء الأرض قبل صدور المنع في ذلك, ولهذا فإن المحكمة تطلب من المتقدم بيّنة وهي شاهدان عدلان لإثبات مايدعيه ,بحيث يشهدان بحصول الإحياء وكيفيته, والذي استقر عليه العمل في المحاكم هو الأخذ بالعرف في كل جهة في ما يعد إحياء من حيث الزرع والبناء وارتفاع السور, بل ذهب الحنابلة إلى أنه إذا أزال عن الأرض ما يمنع وصول الماء إليها من تراب ونحوه فحييت بذلك فيعد إحياء شرعيا .
كما يطلب من الشاهدين تحديد الأرض بحدودها وأطوالها, وإذا شق عليهما حفظ الأطوال فليس هناك ما يمنع من كتابتها ومن ثم تلاوتها على القاضي, وبهذا الخصوص فهناك من يتذمر من إلزام الشهود بذكر الأطوال تحديدا ويظن أن ذلك من مهمة الجهات الحكومية وبالذات البلديات, وهذا فهم خاطئ وتذمر في غير محله لأن المحكمة عندما تثبت التملك للمتقدم إليها - ويسمى في النظام المنهي - فليس هناك أي إجراء شرعي يخولها بذلك سوى شهادة الشهود, لأن الأطوال الواردة في كلام المنهي هي مجرد دعوى منه تحتاج إلى إثبات, وما يرد من الجهات الحكومية بما فيها الخبراء في المحكمة فهي تأخذ بما ورد في كلام المنهي وتتأكد من عدم تداخله مع الأملاك الحكومية, وتعطي للقاضي رسما دقيقا للملك وبالطبع فهي لا تشهد بملكية المنهي, فلم يبق إلا شهادة الشاهدين .
ولعل من أكثر المسائل إثارة للجدل فيما يخص الشهادة في الحجج هو تاريخ الإحياء, حيث منعت الدولة الإحياء بعد هذا التاريخ وهو عام 1387هـ فالأراضي بعد هذا التاريخ غير منفكة عن الاختصاص وبالتالي فليست من الأراضي الموات التي يجوز إحياؤها, ومن المحزن أن البعض لعدم قناعته بذلك يعمد إلى إحضار شاهدي زور للشهادة بقدم الأحياء وأنه قبل التاريخ المحدد, وهذا من الأمور المحرمة على الشاهد والمشهود له, وحصل هذا لدي في بعض القضايا فلما ناقشت الشهود أجاب – جاهلا ـ : بأن الأرض ليست ملكا لأحد بل هي للدولة وعلى هذا فلا زور في شهادته, وهذا تفكير خطير لدى شريحة من الناس تستوجب إعادة النظر في سببها هل هو الجهل فعلا, أو عدم وضوح التعليمات في ذلك, أو التقصير في التوزيع العادل للأراضي أو هي مجتمعة, في الإجابة علاج لكثير من الخلل.

الأكثر قراءة