العولمة .. بين النجاح والفشل!
شئنا أم أبينا فإن العولمة قد صارت الآن أمرا واقعا لا يمكننا تجاهل حدوثه، وإنما علينا أن نبذل كل ما في وسعنا للاستعداد لها. فنظام السوق صار مفتوحا خاضعا للعرض والطلب، ولكن يتبقى لدينا آخر أسلحتنا، وهو المشاركة القوية بالإنتاج المحلي ودخول الأسواق العالمية كمنتجين ومصدرين وليس كمستهلكين فقط.
كذلك علينا أيضا أن نسهم في تشكيل ثقافة العولمة وعصر السوق المفتوحة، وألا ندع هذه العملية يقوم بها غيرنا واضعا شروطه وما يناسبه من قواعد لنجد أنفسنا في النهاية متفرجين بينما العالم يتقدم ويتطور من حولنا.
يؤيد الخبير الاقتصادي العالمي مارتن وولف، وهو محرر في "الفينانشال تايمز"، ظاهرة العولمة ويدافع عنها دفاعا حارا. يقدم وولف في هذا الكتاب وجهة نظره المؤيدة للعولمة كأحد المعالم الرئيسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، حيث يتناول الاتهامات الموجهة إلى عملية العولمة مفندا إياها ومؤكدا أن أهم العوائق التي تعوق التقدم الاقتصادي في دول العالم الثالث كانت هي الفشل في خطط الحكومات وليست نظام السوق الحر.
يتجاهل الكتاب حقيقة أن العمليات الاقتصادية تقوم بعملية إعادة توزيع للقوة والسلطة، وبالتالي تغيير السياسات والخطط التي تضعها الشركات. ومثلما يفعل الكثير من خبراء الاقتصاد يحلل المؤلف الإحصاءات على أساس أنها تمثل المتوسط الفعلي للبيانات والعمليات.
يؤمن الكاتب بأن التقدم الاقتصادي وجميع النتائج الإيجابية الأخرى للعولمة تأتي كنتيجة مباشرة من تطبيق نظام السوق المفتوحة، بينما ترجع كل السلبيات والمشكلات المصاحبة لتطبيق نظام العولمة إلى فشل الحكومات المحلية في التطبيق السليم لها، أو قد تنشأ عن أن هذه الحكومات قد تسرف في معاداة نظام العولمة.
يعطي الكتاب دليلا على هذا بالعمال في الدول المتقدمة الذين يحصلون على أجور أعلى من نظرائهم في الدول النامية، ويرجع السبب في ذلك إلى أنهم أعلى إنتاجية، وبالتالي على العمال ذوي الأجور الأعلى ألا يقلقوا من منافسة العمال الأقل أجورا، إذ إن مثل هذه المنافسة لن يكون لها تأثير يذكر على أمنهم الاقتصادي والمادي، حيث يرجع السبب وراء تفاوت الأجور إلى أن العمال في الدول النامية يعملون عادة في مشاريع يكون فيها متوسط نسبة رأس المال لكل عامل أقل مما يحدث في الدول المتقدمة.
ربما يكون هذا صحيحا بشكل عام بالنسبة لشركة عالمية معينة تحاول اتخاذ القرار فيما إذا كان عليها أن تفتتح مصنعها الجديد في شنغهاي أم في شيكاغو، إلا أن الاختيار هنا سيكون على أساس أجر العامل وليس على إنتاجيته.
توجه إلى ظاهرة العولمة كنظام اقتصادي الكثير من الانتقادات والمعارضة على مستوى العالم، خاصة بعد أن بدأت نتائج تطبيق العولمة تظهر على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كما ظهر فشلها في تحقيق الأهداف التي كان يروج لها من تقليل معدلات الفقر وتمكن الدول النامية من دخول المنافسة في السوق.