حمد الصغير: بطولة الملك في إنسانيته وتخطيطه .. وحياة الشقاء
وصف حمد الصغيّر الأديب المعروف الملك عبد العزيز بالبطولة المميزة والإنسانية التي لم يذكر عنها المؤرخون الشيء الكثير، وركزوا على جوانب الحرب والشجاعة، بينما كانت له قصص إنسانية كثيرة، ومواقف تبين حجم العطف والرحمة، وحرصة على الرعية .
وذكر الأديب فائز الحربي أن مذكرات المؤرخ محمد العلي العبيّد قدمت لنا صورا ومواقف لم تذكر في أي مصدر آخر مما يعطي قيمة للمخطوطة التي كتبها، والتي حقق الحربي جزءا منها.
من ذلك أنه كان قريبا من منطقة الشَعْراء قصر يسمى الرفايع، ويبعد عن الشعْراء ساعة واحدة ويملكه رجل كريم يدعى إبراهيم بن عبد الله العجاجي وكان يعد الضيافة لكل من أناخ على قصره سواء كان يعرفه أو لم يعرفه، وفي سنة 1326هـ أناخ عنده صاحب مطية يقال إنه من عتيبة الدغالبة، وكان مرسولا من ابن رشيد أمير حائل إلى محمد بن هندي بن حميد يطلب صداقته هو وجماعته من عتيبة وليس معه كتاب ولكنه مأمور أن يبلغه من رأسه ويعده ويمنيه بالعطاء الأوفر، فأكل ضيفته عند العجاجي، ورحل كعادة الضيف المتطرق، وكان العجاجي لا يعلم بهذا الضيف ولا من أي مكان أتي ولا أين يقصد.
وبعد مدة من الزمن وصل إلى الملك عبدالعزيز أن إبراهيم العجاجي نزل عنده ضيف مرسول من ابن رشيد إلى محمد بن هندي، فلما بلغ بالخبر أخذ منه الغضب كل مأخذ، ثم استدعى فهد بن معمر وجهزه وأرسل معه عشرة خدام، وقال له :"اذهب إلى إبراهيم العجاجي راعي رفايع الشعراء، وأنخ على قصره ثم اسلب ماله من يده وسوانيه وماله من الإبل وما عنده من الزاد.
فمشى ابن معمر معتمدا ما أمر به حتى أناخ على قصر العجاجي وفعل به فوق ما أمر به، حتى أخذ كل ما في يده واحتاج، ومضى عليه ذلك قريبا من ثلاث سنوات، وكان من عادة الملوك ألا يعتذروا ممن عاقبوهم ولو كانوا مخطئين، وصدف أن الملك عبد العزيز مر على الشعراء بعد ذلك ومكث ضيفا على أميرها عبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجلس عنده سأله عن إبراهيم العجاجي وهل لا يزال يسكن تلك المنطقة؟ فرد عليه ابن مسعود بالإيجاب فقال الملك عبد العزيز ادعه لي أكلمه، فلما أتاه وسلم عليه قال له : يا إبراهيم سامحني وأبيحني وهو خير لك أن تبيحني" وكان الملك عبد العزيز حريصا من قبل ألا يعلم العجاجي بمجيئه، فرد عليه العجاجي: والله لن أسامحك حتى نقف أنا وأنت بين يدي الله" فقال له :"يا العجاجي إذا وقفنا بين يدي الله سيتعلق بي الكثير من أهل نجد وأنت واحد من هؤلاء، ورحمة الله أوسع يا العجاجي".
ثم بعد هذا اللقاء بثلاث وعشرين سنة، أي في سنة 1353هـ وكان العجاجي في ذلك الوقت قد نزل الرياض بعائلته واندمل جرحه وتحسنت أحواله، ولما علم الملك عبد العزيز أنه في الرياض أرسل إبراهيم بن جميعة إلى العجاجي ليسأله عما نقص منه في ذلك السلب القديم، فقال 6400 "فرانسي"، فرجع ابن جميعة بالخبر إلى الملك عبد العزيز وأمر الملك له بحوالة إلى مزكي عتيبة، ووفق الملك لهذه الفضيلة حيث إنه استسمحه بخلاص حقه في حياة قبل الممات، وحرص على أن يضمد جرح الرعية ويواسيهم ولو أخطأوا.
وذكرأن نشأة الملك عبد العزيز كان في شقاء وتعب وتعرض للمواقف الصعبة منذ صغره، وذكر أنه رأى بعينيه محمد بن رشيد لما جاء لهدم الرياض، وكان يحض العمال على هدم الأسوار وإلى جانبه حمود العبيد، ولم يكن على رأس الملك في ذلك الوقت إلا كوفية حمراء وعيناه فيهما رطوبة، فدنا منه ابن رشيد بنفسه ووضع يده على رأس الملك والتفت إلى حمود العبيد وهو واقف معه وقال : (لا تحقر هذا تراه يشره على الحكم)، وكان هذا الموقف مما علق في ذاكرة الملك عبد العزيز ليعود بعدها فاتحا للرياض في عز شبابه.