قراءة في أوراق الخرجي
الحوار الذي تشرفت بإجرائه مع الفنان علي الخرجي في منزله العامر في منزله العامر ونشر في صفحة الكاريكاتير خلال شهر رمضان أضاف دلالات جديدة تبعث على الكتابة لإعادة النظر في حالة ثقافية، كنت أمام خليط ثقافي ينبئ عن جلاء التأكيد القائل بأن "فنان الكاريكاتير يولد ولا يصنع" كما قال محمد الخنيفر ذات مرة.
علي الخرجي الرسام وعلي الخرجي النحات والخرجي المذيع والخرجي الكاتب خليط من كل ثقافي أسهب في ترجمته من خلال أعماله الكاريكاتورية، لقد أعاد تقديم نفسه مراراً لنا دون أن نتنبه لهذا، إصرار من جانبه على إشاعة الحالة الثقافية التي همشت لسنوات فوجد هو نفسه أن أنسب طريقة لإيصال الهم الثقافي هي ممارسة الكاريكاتير لأكثر من 35 عاماً!!
المتأمل في خطوط الفنان علي الخرجي منذ بداياته لا يخطئ في الحكم على جبروت موهبته وحتمية قدرها في الظهور، ولو تأملنا سوياً الشكل رقم 1 (عازف الربابة) لأدركنا عدم الجدوى في خوض نقاش حول موهبته منذ البداية، فمن التشريح الرائع للشخصية إلى سلامة المنظور ودقة التفاصيل في قاعدة العمل، نحن بالتأكيد أمام حالة من فهم مختلف آنذاك لقيمة الفن وأثره.
لنتأمل معاً مائياته، الكثيرون سيجزمون بأنه كان يستخدم اللون المائي بطريقة الرتوش الخفيفة وهذا سر أناقة اللون لديه، ولكن لدهشتي وأثناء حواري معه اكتشفت أنه لم يكن حريصاً على استخدام المائيات بل كان عاشقاً للأحبار الصينية الملونة وكان فناننا الكبير يقوم بخلطها للحصول على كل هذا التنوع والتدرج اللوني الأخاذ، وسر حبه للأحبار الصينية مرده شفافيتها وقربها من الماء المشبع بالحياة.
الخرجي حالة فنية بدأت مبكراً، ورغم هذا خرج بثوب وبصمة خاصة به، لم يتأثر بأسماء عالمية أو عربية ..... كان هو وموهبته من صنعا هذا النمط الفني الفريد.
الخرجي اختار لغة مستقاة من أفواه مجتمعه، حاول ونجح في أن يجمع مرحلة تأسيسية وكما نجح بامتياز في تحويل عطائه إلى مرجعية تاريخية مهمة في مسيرة مجتمع مدني ناشئ.
الفنان علي الخرجي (أبو ناصر) قدر له أن يوثق علاقة الفن بالفرد في مرحلة مهمة، ساهم كثيراً في تحويل الكاريكاتير إلى لغة تعبيرية دارجة تدور حولها النقاشات في المجالس وحتى أثناء وجود الأسرة حول مائدة الطعام، دخل معه فن الكاريكاتير السعودي إلى رحابة المعايشة والمتابعة والتأثر.
علي الخرجي موجود بيننا، متصالح هو مع بقائه بعيداً عن دائرة الضوء بعد مسيرة حافلة من العطاء، فكل ما هو مطلوب منا هو الدعاء له بأن يمتعه المولى بالصحة والعافية لنحتفل به مراراً لأعوام مقبلة.