المؤشر السعودي يتشبث بهويته.. التذبذب حاد جدا
عاشت سوق الأسهم السعودية لفترة معينة في أجواء ارتفاع "صاروخي"، لكنها كانت بعد ذلك السوق الأشهر بتراجعها "المهول"، وتحديدا منذ 25 شباط (فبراير) 2006، غير أن المؤشر المحلي تبقى عليه علامة مميزة هي شدة حدة التذبذب في التعاملات اليومية.
ورغم إجراء تعديلات على سقف نسب التذبذب العليا والدنيا المسموح بها في السوق المحلية، من 10 في المائة إلى 5 في المائة، ثم عودا إلى 10 في المائة لكن الوضع لم يتغير كثيرا ـ على الأقل نظريا.
"الاقتصادية" رصدت رؤى محللين اقتصاديين، ماليين، وفنيين، للوقوف على مسببات حدة التذبذب في سوق الأسهم السعودية، تداعياتها وتأثيرها في التعاملات المضاربية والاستثمارية.
توقع محمد الضحيان ـ خبير مالي ـ أن تستمر حدة التذبذب في السوق السعودية فترة طويلة، وقال "لن نشاهد ثبات في السوق. سيكون التلاعب في الأسهم غير المنتجة. لأن فيها سيولة". وزاد "إنهم (شريحة من المضاربين) خسروا في الأسهم الجيدة. إننا نراها تنخفض بلا سبب.. ليس هناك أي رغبة في الاستحواذ عليها".
وقسم الضحيان السوق السعودية زمنيا إلى مرحلتين في السنوات الأخيرة "إذ إن هناك مرحلة ما قبل الأشهر السبع إلى الأخيرة، ومرحلة ما بعدها". ويصف المرحلة الأولى بأنه كان هناك اندفاع من أجل الحصول على الربح السريع، لذا كان الاتجاه قويا نحو الشراء المستمر إلى أن وصل إلى أكثر من 20 ألفا"، وأنه بعد ذلك "بدأت السوق تنخفض بناء على نظرية جني الأرباح".
وزاد "في كل فترة تكون هناك نقطة للارتكاز. تبدأ محاولة إعادة السوق إلى وضعها .. كانت في يوم ما عند تسعة آلاف ثم ثمانية ثم سبعة حتى أنها تختبر الخمسة آلاف (حاليا)".
ويلاحظ الضحيان تزايد حصة المؤسسسات الاستثمارية في السوق السعودية حالية وأنها "مهتمة بالاستحواذ في عدد من الأسهم"، وأن "استحواذ المضاربين آخذ في التناقص يوما بعد آخر". ويلفت إلى أن المضاربين بدأوا يتحلقون عند الأسهم "غير المنتجة"، وأنه تبعا لذلك فإن "تلك الأسهم ترتفع نسبيا دون سبب".
السوق ناشئة .. ربما
يبدو الشاهري ـ محلل فني ـ أكثر وضوحا وهو يؤكد أن "هناك تذبذب حاد" في السوق السعودية، "رغم أن أغلب الأسواق المالية تشهد هذا التذبذب"، وأن "هناك من يدرس المؤشر عن طريق الموجات ( موجات أليوت أو موجات الذئب أو غيرها "وما الموجات إلا تذبذب بين الصعود الهبوط، ومنها الموجات الصاعدة والموجات الهابطة".
ويلاحظ حدة تلك الموجات "و بشكل كبير" في السوق السعودية، ويرى أن سبب ذلك أن السوق السعودية "تعتبر من الأسواق الناشئة التي تتأثر بكل ما هو جديد سواء أكان تنظيميا أم اكتتابات". وزاد "لاحظنا" في السنوات الثلاث الأخيرة ازدياد الاكتتابات و إقرار كثير من القواعد التنظيمية "وقد ساهمت هذه الاكتتابات وتلك التنظيمات في إذكاء حدة التذبذب ومن الأسباب أيضا ـ بحسب الشاهري ـ تركز قوة التأثر في نقاط المؤشر في شركات محدودة كـ"سابك" وبعض المصارف وغيرها مما يساهم في هذا التذبذب حينما يحدث التراجع فيها بشكل ملحوظ.
وأبان أن من الأسباب أيضا كثرة الإشاعات والانسياق وراءها من صغار المتداولين خاصة "وهذا يساهم في البيع الجماعي حين انتشار الأخبار غير الإيجابية على السوق" وهو ما يساعد على حدة التذبذب في السوق المحلية.
التذبذب مضلل
يشير تركي المرشود ـ محلل مالي ـ إلى أن التذبذب في المؤشر العام أصبح ملازما للممارسات اليومية التي تطغى على تعاملات السوق منذ فترة بعيدة، لكنه أكد أنه "يجب أن ندرك أن التذبذب في النزول والصعود يعد مضللا للملامح والركائز الأساسية في السوق السعودية خصوصا على المدى البعيد، حيث يجب أن تكون هنالك أسباب واضحة ونتائج رئيسية للتذبذبات في السوق السعودية".
وزاد "إن الآثار السلبية للتذبذبات" التي تحدث في السوق (بصورتها الحالية ): البعد عن الشفافية التي تعد من أهم الركائز الأساسية لقوة السوق، إن التحليلات على المستويين المالي والفني تكون غير واضحة الملامح ولا تعطي الجدوى المرجوة منها، انعكاسا سلبيا على أسعار الشركات عند الطرح الأولي (الأيام الأولى عند نزولها في السوق)، إضافة إلى أن تأثير نتائج الشركات أصبح لا ينعكس في أوساط السوق لا على مستوى تداول سهم الشركة ولا على مستوى السوق ككل.
ويضرب مثلا على ذلك بشركات عدة أعلنت أرباحها بنسبة نمو تقارب 50 في المائة مقارنة بالسنة الماضية ومع ذلك يكون تأثير الإعلان قليلا ومحدودا "ويمتد أثره في وقت نشر فيه الإعلان فقط"، وأن أرباح بعض الشركات تقفز إلى أكثر من 100 في المائة "ومع ذلك يكون التذبذب أكثر تأثيراً من الإعلانات ونشاطات الشركة ومشاريعها... للأسف أصبح المتعامل في السوق لا يهتم بأهم المصطلحات التي هي من أساسات الدخول في السوق ومعرفة قوة الشركة وهي مكرر الأرباح والعائد على السهم".
ورغم أن جميع التشريعات من هيئة السوق المالية ترمي إلى الحد من عنصري المضاربة والتذبذب "التي اكتوى بها صغار المستثمرين في السوق السعودية... إلا أنها تعد (حاليا) من العوامل المساعدة فقط.
ويدعو المرشود إلى اتخاذ خطوات المبادرة من قبل المتعامل أو المستثمر في السوق نفسها من خلال تغيير استراتيجيات المضاربة والبيع السريع لمجرد نزول المؤشر والشراء السريع لمجرد طلوع المؤشر إلى الاستثمار في السوق، بل بالنظر إلى نشاط الشركة ومكرر أرباحها والعائد على السهم والنظر إلى مجلس الإدارة وقراراته ومتابعة الإعلانات والمشاريع للشركات ومجالها.
أوقفوا الضغط على الحكومات
يؤكد صالح الثقفي ـ محلل مالي ـ أن عوامل عديدة على قرارات المتداولين "أكبرها الخوف على رأس المال من التناقص". وقال إنه ليس من الممكن تجاهل تأثيرات الأزمة المالية العالمية المتوقعة مرورا بأزمة السيولة الخانقة "التي بدأت في الظهور على شكل انهيارات متسلسلة في تقييم الأصول من مختلف القطاعات الاقتصادية بدءا بالعقار، أسواق الأسهم ووصولا إلى أسواق السلع مثل النفط والمعادن والمواد الأساسية". وأعاد "الانسحابات" من تلك الأصول، إلى التخوف من الآثار "غير المعلومة حتى الآن".
وزاد "إننا (في السوق السعودية) نمر بمرحلة البيع الأعمى والتركيز على بيع الأسهم خاصة في المناطق ذات العلاقة المباشرة بالأزمة الراهنة"، في حين يلفت إلى أن الاقتصادات الأخرى "إما معتمدة تماما على اقتصادات أكبر، أو على السلع التي تبيعها"، وأنه تبعا لذلك "كان لا بد من البيع في أسواق تلك الدول". ويشير إلى أن بعض الشركات الكبرى في الولايات المتحدة واليابان بدأت بالتحذير من تراجع حجم وأرباح عملياتها المستقبلية.
ويتوقع الثقفي نموا كبيرا في معدل حجم البطالة العالمي في المرحلة المقبلة "ومن ثم تراجع الاستهلاك والطلب على منتجات تلك الشركات، وهي إحدى علامات الركود هنا والانكماش هناك" .
ويؤكد أن الأولوية (المأمولة) في الأهداف في الوقت الحالي "حماية السيولة المتبقية والانتظار لهذه التأثيرات أن تكون أوضح لإمكانية تقييمها بصورة أفضل. ويفرق بين ركائز الانهيار في أسواق الأسهم "فقد كان في البداية لجمع السيولة والآن هو الخوف من غير المعلوم".
ويشير إلى أن الأسهم "حتما" لا تأتي في الأولوية بالنسبة للأجندات الحكومية وأن الأهم لدى الحكومات إنقاذ الاقتصادات من تأثير اختناق تنقل السيولة بين الأطراف التي تديرها في هذه الاقتصادات ".. وهو أكبر ضررا من أي ركود متوقع بل قد يكون مسببا لكوارث أكبر من كارثة في أسواق الأسهم. وهنا يأتي الاهتمام الكبير في خطط الإنقاذ المتتالية التي في رأيي لن تتوقف عن الظهور حتى يتم التحكم بالوضع ومن ثم تتحسن الثقة في الاقتصاد العالمي".
وتبعا لذلك يرى الثقفي أن "الأسهم في الوقت الحالي ليست في أولويات كثير من أصحاب السيولة حتى تتضح الرؤية عن إمكانية التحكم بالأزمة". ويذهب إلى أن أسعار الأسهم عانت كثيرا و"لا أرى مجالا أكبر كثيرا في هبوطها"، مستدركا بالقول "إلا إذا حصل انفلات في هذا التحكم ومن ثم سيكون النقد في البنك لا قيمة له ولو مؤقتا. ولا أرى إمكانية حصول ذلك إلا إذا تخاذلت الدول المسؤولة عن الأزمة في واجباتها الطبيعية".
ويأمل الثقفي أن" يتوقف الضغط على حكوماتنا" بالتدخل لإنفاذ الأسهم، مؤكدا أن الأهم المحافظة على الموارد المالية المتبقية للاستمرار بخطط التنمية، وأن من شأن ذلك "تحسن الثقة في الأسهم".