"النظيم" على حقيقته.. حي يتخلق بعشوائية ويتنفس بلا رئة "2 من 2"

"النظيم" على حقيقته.. حي يتخلق بعشوائية ويتنفس بلا رئة "2 من 2"

في الحلقة الماضية من استعراضنا للتقرير الموسع عن "حي النظيم"، تلقينا عددا كبيرا من التفاعل الجميل من قراء "الاقتصادية"، وهو الأمر الذي اضطرنا لتأجيل حلقات أخرى عن أحياء العاصمة، لاستعراض بقية المشاهد التي صادفتنا وعدنا لها بعد أن رأينا ومن خلال تفاعل القراء، أن هناك كثيرا من المحاور التي يمكن أن نستعرضها.
أهم هذه المحاور هي الكثافة السكانية العالية للحي مقارنة بأحياء أخرى في العاصمة، يرى عدد كبير من قاطني حي النظيم أن الخدمات التي يمكن أن تقدم للحي بحسب كثافته السكانية لا تتناسب وحجمه، بدءا من عدم توفر شبكات للصرف الصحي، ومرورا بعدد المدارس القليل بمراحلها المختلفة، والمركز الصحي الواحد الذي لا تغطي خدماته أكثر من عشرة منازل في هذا الحي، إضافة إلى مشكلة الشوارع غير المسفلتة وعشوائية التقاطعات المرورية.
كل ذلك وأكثر يرويه عدد من سكان الحي الذين التقينا بهم خلال جولتنا الثانية، في الحي الذي نشأ فعليا عام 1390 هـ، وهو تاريخ لا يعتبر قديما نسبيا إذا ما قورن بنشأة أحياء أخرى في الرياض، تنعم بمختلف الخدمات التي يمكن أن يحتاج إليها الفرد في العاصمة السعودية الرياض.

في بداية جولتنا التقينا بندر المنسي، وهو أحد الموظفين الحكوميين ويسكن حي النظيم منذ ولادته، يقول: إن شبكة الصرف الصحي غير متوافرة في الحي، وهي أهم معضلة يمكن أن تواجهنا الآن، حيث إن التسربات من المنازل سواء من خزانات المياه أو خزانات الصرف الصحي أضحت تزعجنا وتسبب مشكلات صحية وبيئية لأهالي الحي، ناهيك عن الروائح الكريهة التي تنبعث وهي سبب مباشر لتكاثر الحشرات والأوبئة ونتيجته الحتمية ظهور الأمراض.
ويؤكد المنسي أن عدم وجود شبكات للصرف الصحي في الحي زاد من وجود صهاريج الصرف الصحي داخل الحي بشكل واضح، وقد سببت هذه الصهاريج مشكلات كثيرة، أولها مزاحمة السيارات الصغيرة داخل الحي والتضييق عليها في الشوارع مما أحدث عددا كبيرا من الحوادث المرورية، أما فيما يتعلق بعملها فهي تسد الشارع الذي تسحب فيه المواد من خزانات المنازل لمدة لا تقل عن ساعة كاملة تتوقف معها الحركة في الشارع، فيما يتعمد بعض عمال الصرف الصحي ترك صنابير الصهاريج مفتوحة، وذلك يترك أثرا سيئا لانبعاث روائح كريهة أزعجت السكان، ويتعمد أيضا أصحاب صهاريج الصرف الصحي توقف سياراتهم داخل ساحات الحي الفارغة، والتي شوهت منظر الحي وأسهمت في التضييق على الساكنين، وخصوصا الذين يسكنون في الأدوار العلوية للأهالي مما سبب لهم إزعاجا كبيرا، مبديا عتبه على بعض المواطنين الذين يشترون سيارات الصرف الصحي ويؤجرونها على مكفوليهم دون اهتمام بالنتائج الوخيمة التي يرتكبونها بتجاوزاتهم للأنظمة، وخصوصا أنهم لايدركون انعكاساتها على المواطنين.
ويذكر بندر أن أحد جيرانه القاطنين في الشارع نفسه الذي يسكن فيه، يواجه مشكلة تسربات من مخزن الصرف الصحي، ولا يستطيع إعادة بناء المخزن لتكلفته الباهظة واحتياجه لمواد بناء يعجزعن توفيرها، وقد سببت هذه التسربات تكدسا للمياه في منتصف الشارع وتجمع الحشرات، وتنبعث منها روائح كريهة، مشيرا إلى أن مجاورة هذه التسربات لمسجد الشارع سبب إزعاجا للمصلين أثناء أداء فريضة الصلاة، وتلاحظ أن جميع طرقات الحي لاتخلو من هذه المناظر السيئة. وتمنى بندر في نهاية حديثه لـ "الاقتصادية" حل مشكلة الصرف الصحي التي يعانيها جميع سكان حي النظيم على مدى سنوات طويلة.
من جانبه تحدث محمد الهدلان، وهو أحد سكان حي النظيم، حول مشكلة طريق خريص الممتد إلى طريق الدمام السريع، والذي يعتبر من أبرز وأهم الطرق الرئيسة في مدينة الرياض، إلا أن الغريب في أمر هذا الطريق هو اختلاف مساراته القادمة إلى الحي، حيث تتحول من ست مسارات إلى مسارين فقط، رغم ازدحام السيارات القادمة ترافقها الشاحنات الكبيرة، أما المسارات المغادرة من الحي فأربع مسارات، وهو ما يعتبره محمد تناقضا كبيرا. وطالب محمد المسؤولين عن قضية هذا الطريق الالتفات لهذه المشكلة، خصوصا أن الطريق حيوي ومزدحم بشكل كبير، ويعتبر من أغرب طرق الرياض الرئيسة حيث يختلف كل مسار عن الآخر.
ويعد الطريق مصدر إزعاج لأهالي الحي رغم أنه المدخل الرئيس له، وذلك لمرور الشاحنات الكبيرة التي تسبب مضايقات لأهالي الحي بمرورها الدائم بالطريق الرئيس للحي ، يرافق ذلك تجاوزات عدة يمارسها سائقو الشاحنات بقطع الإشارات المرورية، السرعة الجنونية، تجاوز السيارات الصغيرة، وقطعها لطريق خريص دون مراعاة للسيارات القادمة، وقد سببت هذه الشاحنات العديد من الحوادث الشنيعة التي أدت إلى وفاة الكثير من المواطنين. ويشير الهدلان إلى أنه لا يمر شهر على سكان الحي حتى يسمعون بوفاة أحد المواطنين على هذا الطريق والسبب دائما ما يكون الشاحنات، وهذا جزء من مصائب الشاحنات الكبيرة والتي تتواجد بشكل كبير في مداخل الحي وإقامة أصحابها غير النظاميين داخله، حيث يعاني الكثير من سكان حي النظيم مرور هذه الشاحنات واستيطانها داخل الحي، وهذا سبب إزعاجا كبيرا للأهالي.
ويستذكر الهدلان حادثة شنيعة حصلت لأحد كبار السن الذين يقطنون في حي النظيم، والذي كان يمتلك قطيعا من الماشية في أطراف الحي، حيث اعتاد هذا المسن زيارة ماشيته يوميا، حيث فوجئ في أحد الأيام بإحدى الشاحنات الكبيرة تقتحم الطريق دون مراعاة السيارات القادمة، فارتطمت الشاحنة بسيارة المسن وحولتها إلى قطع صغيرة. وناشد الهدلان في نهاية حديثه مرور الرياض لإيجاد حل فعلي وسريع لمعاناة أهل الحي مع الشاحنات والمسارات المفتوحة.
عبدالله المعطش أحد المواطنين الذين صادفناهم في أحد محال التشاليح الواقعة في الحي، قال إن حي النظيم يوجد فيه العديد من الخدمات المفقودة، والتي مللنا كثيرا من مطالبات الجهات الرسمية لها، دون أن نجد تجاوبا منهم، ولعلي أذكر إحدى السلبيات التي لم تجد أي اهتماما وهي إنارة طريق خريص الذي يمسي دامسا ليلا، وهذا يسبب كثيرا من الحوادث الشنيعة، نحن لا نريد إنارة طرقات الحي الداخلية، على الأقل شوارع الحي الداخلية لا تمرفيها السيارات بسرعة كما يحصل في طريق خريص.
وتمنى المعطش أن يجد هذا الطريق اهتماما أكبر، باعتباره الطريق الرئيس الذي يخدم سكان حي النظيم، وسكان الأحياء المجاورة كالجنادرية وسلطانة، إضافة إلى خدمته منسوبي جامعة نايف للعلوم الأمنية والكثير من الجهات الحكومية المجاورة، مشيرا إلى ضرورة الاهتمام بتوفير حواجز أسمنتية لفصل الطريقين عن يعضهما البعض، وهو الأمر الذي سيحد من تجاوز الشاحنات وعبورها للطريق، وانحراف الكثير من السيارات على المسار الآخر لعدم وجود حواجز أسمنتية كبيرة، مضيفا أن المسؤولين في وزارة المواصلات يجب أن يهتموا بإعادة تعبيد الطريق المتهالك بسبب الشاحنات الكبيرة والعابرة يوميا على هذا الطريق، وإعادة تخطيطه من جديد بعد أن مسحت إطارات هذه الشاحنات خطوطه وألغت معالمه وأصبح طريقا متهالكا.
ويذكر المعطش سلبية أخرى يعانيها أهالي الحي، وهي محال التشاليح التي تقع على امتداد طريق خريص باتجاه طريق الدمام السريع، وتضم أكثر من 100 تشليح معظمها بلا تصاريح ولا يحمل عمالتها أي تصاريح إقامة نظامية، مشيرا إلى أن مخالفات كثيرة تقع في هذه التشاليح، انطلاقا من شرائهم للسيارات دون إسقاط للوحات، ومن ثم كبسها في إحدى المكابس لبيعها على تجار الحديد والخردة، وكذلك تلاعبهم في أسعار السلع وجشعهم الواضح في رفع أسعارها دون منطقية، كما توجد في مداخل التشاليح العديد من الورش غير المرخصة، والتي تخدم الشاحنات العابرة للطريق، إضافة إلى محال غيار الزيوت وتغيير الإطارات وهي أيضا غير مرخصة حسبما قال، وهناك أيضا سوق لبيع الإطارات المستعملة رغم تشديد وزارة التجارة على العاملين فيها، إلا أنهم غير مبالين بالأنظمة والقوانين ولم يردعهم أحد، إضافة إلى المقاهي غير النظامية والتي ترتادها العمالة المخالفة من التشاليح والكسارات وأسواق الأعلاف والماشية.
من جانبه، ذكر ماجد الخلف الذي كان موجودا في سوق الماشية عندما التقيناه، أن حي النظيم يعاني أيضا من سوق الماشية العشوائية وغير النظامية، والتي تزدحم بالمرتادين من حي النظيم والجنادرية وسلطانة والأحياء الأخرى، بعد أن حطت رحالها على جانب طريق خريص، وهو الأمر الذي يشكل خطرا على مرتادي السوق.
ويعتبر سوق الماشية من أسوأ المواقع في حي النظيم من ناحية التنظيم، حيث تزدحم به السيارات إلى الدرجة التي تجعلها تدخل إلى الطريق الطريق الرئيس من جميع أطرافه المطلة على السوق، ويصبح الجزء المحاذي للسوق من طريق خريص خطيرا جدا، نظرا لكثرة حوادث الشاحنات الكبيرة في هذا الجزء من الطريق، كذلك عبور أصحاب المواشي للطريق دون ترقب أو حذر وهذا أيضا سبب الكثير من الحوادث. ويعزو ماجد المشكلات المرورية التي تحدث إلى عدم وجود حواجز كبيرة بين الشارعين، تحد من عبور السيارات العشوائي للطريق وتنهي معاناة ومشكلات طالت أهالي الأحياء القريبة بحوادث شنيعة.
ويكثر بحسب ماجد العمالة المخالفة في سوق الماشية، ويعد المخالفون لنظام الإقامة والعمل من الجنسيتين السودانية والسورية المسيطرون على تجارة المواشي في الحي، يستقرون في صفائح خشبية ويشكلون جماعات تشكل خطرا على الحي وأهله، إضافة إلى سيطرتهم على تجارة الأعلاف وتلاعبهم بالأسعار، كما يمتهنون كما يؤكد ماجد مهنة سلخ الأغنام في الساحات الموازية للسوق بطريقة غير نظامية وغير صحية دون رادع يردعهم من فرق الرقابة الخاصة بالأمانة، كما ينشط هؤلاء في مهنة أخرى وهي غسل المواشي، وطالب ماجد في نهاية حديثه لـ "الاقتصادية" أمانة مدينة الرياض بتفعيل دور سوق المواشي النظامي الذي أعلن عنه في وقت سابق ومن ثم تم تناسيه وإغفال إنشائه، رغم أن إنشاءه سيحد من تواجد العمالة المخالفة وسيكون السوق أكثر نظاما وطاردا للعمالة المخالفة.
من جهته، أكد متعب فريج الخالد أن حي النظيم تكثر فيه المخالفات الصريحة لعديد من الشركات دون رقابة من قبل أي جهة رسمية، حيث تؤدي أعمالها وهي لا تحمل أي تصاريح تجارية، وتتخذ أحواشا مغلقة تماما لتخزين سلعها في الحي، والكثير منهم يتخذ بعض الأحواش الداخلية بين منازل سكان أهل الحي لهذا الغرض.
ويذكر الخالد أن بعض الشركات قامت باستئجار بعض الاستراحات والمنازل، وحولتها إلى ورش للحدادة ومشاتل ومخازن للمواد الغذائية وغيرها من نشاطاتهم المختلفة، وهو الأمر المخالف لنظام أمانة منطقة الرياض، حيث لا توجد على هذه الأحواش أي لوحات أو علامات بارزة توحي لك عن وجودها في هذا المكان، مما يوحي بريبة في الأمر، وهناك أيضا تقوم بعض الشركات باستئجار بعض المنازل والأحواش لإقامة منسوبيها من العمالة، وخصوصا أنها داخل الحي وبين الأهالي والسكان، ولو سلكت طريق خريص باتجاه طريق الدمام السريع ستجد العجب العجاب من كثرة هذه الأحواش المتكدسة بالعمالة السائبة والنشاطات غير النظامية، فهناك العديد من الكسارات للحصى والرمل على أطراف الطريق والتي لا تحمل أي تصاريح نظامية وتشكل شاحناتها خطرا كبيرا أثناء عبورها الطريق السريع بحمولتها الكبيرة من الرمل والحصى والمواد المختلفة، مما ينتج عنه الكثير من الحوادث الشنيعة، وهو الأمر الذي يعد مخالفا لقوانين المملكة فيما يتعلق بإبعاد الكسارات عن المناطق المأهولة بالسكان.

الأكثر قراءة