"بلوتوث" المدارس.. طلبة مستسلمون ومعلمون يحتاجون إلى توجيه

"بلوتوث" المدارس.. طلبة مستسلمون ومعلمون يحتاجون إلى توجيه

إن عبث الصغار ولعبهم، أمر طبيعي يتوافق مع أعمارهم وطبيعتهم الفطرية، ويقبله الكبار بصدورٍ رحبة، مع محاولة توجيه تصرفاتهم وتقويم سلوكهم. أما أن يعبث الكبار، فهذا ما يجعل الصغار يتساءلون قبلنا "ماذا يجري؟". ما يثيرنا ويلفت انتباهنا لم تكن الفكرة فيما سبق، بل في تطبيقها فعليا في مواقع أبعد ما يكون هدفها عن اللعب والعبث سواء للكبار أو الصغار، ولكم حرية تخيُّل ما سيأتي واتخاذ ما تشاؤون من ردة فعل:
فصول مدرسية، امتلأت كراسيها وغصت طاولاتها بالطلاب الصغار وكتبهم، وتدور الأحداث – التي تكررت لأكثر من مرة - حول مشهد ساخر تم تصويره بتقنية البلوتوث التي منحت الهواتف المحمولة صفة المراقبة والتوثيق، ويكتمل الحدث بتداول مقاطع يكون أبطالها غالبا أطفالا تحولوا إلى وسيلة ترفيه، أراد فيها معلم غير مسؤول أن "يوسِّع صدره" فـ"ضيَّق صدورنا"! وفي المقابل يأخذ الطلبة دور البطولة أحياناً في ظل استسلام المعلِّم وربما استمتاعه أيضاً.
ومثلما شاركت "الاقتصادية" الناس طرحهم الأسئلة حول ما يجري داخل المدارس – وبالذات فصولها، حاولت البحث عن إجابة شافية من بعض مختصي التربية والتعليم وعلم النفس.

جاءت البداية بدهية بالنسبة لنا، عندما توجهنا إلى بيت التعليم بأسئلتنا عما يحدثه البلوتوث داخل الفصول المدرسية، فقابلنا خالد اللزام المشرف الإرشادي في إدارة التعليم بإجابة تتلخص في أنه لا توجد لائحة عقوبات تخص المعلم، ولكن توجد أخلاقيات لمهنة التعليم، وتوزع من قبل الإشراف التربوي، حيث تتضمن الاستخدام الجيد للتقنية، وأضاف أن مشكلات البلوتوث تحول إلى اللجان التربوية في المراكز، وبدورهم يدرسون القضية، لنصل إلى نتيجة أنه لا توجد عقوبات صريحة تخص الاستخدام السيئ لتقنية البلوتوث، وأن ما يمكن فعله هو مجرد قياس لأي مشكلة حسب ما يندرج تحت نظام الوزارة من أخلاقيات المهنة.

المعلم لا يحتاج إلى قواعد ضبط!

وأكد اللزام أن المراكز التربوية وكذلك الوزارة لم يسبق لها تلقي بلاغات عن تصويرات، استخدمت من قبل المعلم ضد الطالب. أما بنسبة للطالب فعقوبته واضحة وتندرج تحت لائحة باسم السلوك والمواظبة، وعقوبته من الدرجة الثالثة، تتضمن أربعة إجراءات يتخذها مدير المدرسة، عندما يستخدم الطالب هذه التقنية.
وقال في حديثه إنه لا يتوقع صدور لائحة عقوبات على المدرس، من وزارة التربية والتعليم، لافتا إلى أنه لا يؤيد خروح لائحة عقوبات على المعلم، ولكن في المقابل يجب فرض نظام، وأضاف: "لا أعتقد أن الكثير من المعلمين سيسيء استخدام هذه التقنية، فأغلبهم من الشباب الذين يريدون شق طريقهم في الحياة، ومن هذا المنطلق فلا يتعين خروج لائحة عقوبات عليهم، فالطالب معرض بكثرة لارتكاب الأخطاء، وهو الذي يحتاج إلى قواعد ضبط، ولكن المعلم مهنته أن يربي ولا يحتاج إليها".
وفي نهاية حديثه بين اللزام أن اللائحة، التي صدرت من قبل وزارة الداخلية في مثل هذه الأمور كافية، وهي تعم الجميع بلا استثناء سواء كان معلما أو لا.

الطلاب يفتقدون الوعي الثقافي

ومن جانبه، أكد الدكتور وليد الزهراني إخصائي نفسي إكلينيكي، أن هذه التصرفات التي تنبع من المعلمين، الذين يعدون قدوة للطلاب، لها تأثير نفسي كبير وفظيع، وأضاف: "إذا كان المعلمون الذين يعدون شبابا للمستقبل يتصرفون بهذه الطريقة، إذن كيف سيخرج الطالب؟".
وشدد الدكتور الزهراني على أن الطلاب - خاصة من هم في مرحلة الابتدائية - يفتقدون الوعي الثقافي، والوعي للتطوير التقني، حيث يظنه الكثير نافعا، وفي الحقيقة يضر بهم، وعند استخدام المعلم هذه التقنية بطريقة سيئة على طلابه، فإنهم يعلمون أنه يستخف بهم، ولكن الشيء الذي يحاكي نفسه "لماذا معلمهم الذي يتخذونه قدوة يفعل ذلك بهم؟"، ما يجعل الطالب يشكك في قدرات نفسه، والموقف الذي صور فيه الطالب سيصبح مصاحبا له، وسيهز ثقته ويغير من نفسيته ويقلل من شأنه أمام المجتمع المحيط به، وهذا غير الآثار السلبية التي ستترتب على الطالب، وتقاس على ذلك الصفات أو الكلمات التي يوجهها المعلم إليه.

بعد التفوق اقتنع بأنه "غبي"!

وذكر الزهراني قصة إحدى الحالات التي كشف عليها في إحدى المدارس، حيث تعرض طالب لموقف من قبل أحد معلميه، عندما صور المعلم الطالب بكاميرا جواله، وهو يتلفظ عليه بكلمة "الغبي"، من أجل أن يري أصدقاءه هذا الطالب وكيف يعامله، ومن الطبيعي أن الطالب تأثرت نفسيته، وانخفض مستواه الدراسي. وحدثنا الزهراني أيضاً عن طالب كشف عليه قبل فترة وجيزة، وقد تعرض لموقف مماثل، حيث رسخ في ذاكرته وحمله معه طوال مراحله الدراسية، ما نتج عنه انخفاض في مستواه الدراسي، وأقنع نفسه بأنه فعلاً "غبي"، بعد أن كان مجتهدا متفوقا، وكل هذا حدث بسبب معلم أراد إضحاك الطلاب، والترويح عن نفسه قليلا!

المجتمع يقبل الإحباط أكثر من النجاح!

وأوضح الدكتور الزهراني أن الطفل من مرحلة الطفولة حتى يصل إلى عمر 16 عاما، يكون في مرحلة التلقي، ويشمل ذلك الأفكار، السلوكيات والمشاعر، وعندما يقوم المعلم بالتلفظ بكلمات مثل "غبي" أو "كسول"، ومثل هذه الإيحاءات السلبية ينتج عنها ضعف معنويات الطفل، خاصة أن نفسيات الأطفال متنوعة، فمنها ما تأسست بجدية، وأخرى بشكل خاطئ، موضحا أنه بمجرد تلفظ المعلم بأي كلمة، ستنطبع داخلهم تلقائيا، وسيتقبلون كثيرا؛ لأن تقبل الإحباط في مجتمعنا أكثر من تقبل النجاح، وأضاف: "هناك دراسة أجريت في المملكة عن التأثير سواء إيجابيا أو سلبيا في إحدى المدارس، فالفصول التي يحصل فيها ثناء وتشجيع، يرتفع مستواهم الدراسي، ونفسياتهم تكون جيدة جدا، أما الفصول التي يكثر فيها التحطيم، نتجت عنها مستويات دراسية متدنية، وثقة بالنفس مهزوزة، إضافة إلى الإحباط والمشكلات النفسية.

من أمن العقوبة أساء الأدب

وأكد الدكتور الزهراني أنه عندما تفقد الثقة بين الطالب ومعلمه، ينتج عن ذلك طالب غير مبالٍ، أو بمعنى آخر نظرة الاحترام الموجهة من الطالب إلى المعلم تقل، وهناك سياسة منتشرة بين الطلاب الآن وهي "عامل الناس كما يعاملونك"، موضحا أن دافع المعلمين لفعل هذه الأفعال، هو ضعف الثقافة لديهم، وعدم تلقيهم التربية الصحيحة، عدم المسؤولية، وعدم التقيد بالمواد التربوية، وأغلب المعلمين يقول لنفسه "أنا أعلم ولا أربي". وأرجع الدكتور الزهراني سبب تمادي بعض المعلمين في فعل هذه الأفعال، إلى عدم وجود رقيب عليهم، وعدم وجود أشخاص يقيمون المعلم من الناحية التربوية وليس من الناحية التعليمية، وهذه الأمور تحتاج إلى أشخاص متخصصين يستنتجون ذلك من تعامل المعلم مع الطلاب، لا من الحضور والانصراف، إضافة إلى أن المعلمين لا توجد لوائح وعقوبات لهم، ما يشعرهم بأنهم محميون من العقوبة، وهذا ما يدفعهم لإساءة التصرف والأدب.

مطالبات بلجان تقييم تربوي ونفسي

وطالب الدكتور الزهراني بوجود لجان خاصة يكون عملها تقييم تربوية ونفسية المعلم، مشيرا إلى أن ما يوجد الآن هو تقييم لأداء المعلم أثناء الدرس فقط، ومثلما للمعلم حقوق، فالطالب كذلك له حقوق، لافتا إلى أن الطالب ليس له كلمة أو رأي، وهذا شيء غير صحي أبدا. وطالب وزارة التربية والتعليم قبل توقيع عقد مع المعلم، بتجريبه لمدة فصل، وتقييمه من جميع النواحي: سلوكيا، نفسيا وتربويا، مختتما حديثه بأن ما يقارب 60 في المائة من المعلمين في مدارسنا غير مهيئين للقيام بالعمل التربوي.

الأكثر قراءة