الذهب الأسود (النفط) إلى 500 دولار للبرميل خلال العقد المقبل!
انتهى عصر النفط الرخيص، ومعه انتهى أيضا عصر المواد الأولية الرخيصة وعصر السلع الغذائية الرخيصة وعصر العقارات الرخيصة .. موجة تجتاح العالم من الغلاء وارتفاع الأسعار والتضخم يتسبب فيها النفط، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: من المتسبب في ارتفاع أسعار النفط؟ هل هو الدولار الضعيف؟ أم نمو الاقتصادات الناشئة كالصين والهند؟ أم السياسات الأمريكية تجاه الدول النفطية؟ أم منظمة أوبك؟ أم قلة الوعي والترشيد في استهلاك الطاقة؟ أم التغيرات المناخية العالمية التي تسببت في أعاصير دمرت الكثير من منصات النفط؟ أم نظريات نضوب النفط في القريب العاجل؟ .. أسئلة كثيرة تُطرح هنا، وسأحاول في هذا المقال الوقوف على كل منها لتقديم بحث كامل ومتكامل عن مستقبل أسعار النفط.
منذ أن أعلن عن فوز الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2000م، كان الدولار في قناة صاعدة أمام سلة عملات تحتوي على ست عملات رئيسة، وحقق في تلك الفترة أعلى قمة له في تموز (يوليو) عام 2001م عندما سجل 121.29، وبعدها بدأ الدولار بمسلسل الهبوط إلى أن وصل إلى أدنى نقطة عند 70.70 في يوم 17 آذار (مارس) 2008م، وفي المقابل فإن النفط حقق أدنى مستوى له في القرن الواحد والعشرين في أواخر عام 2001م عند مستوى 17.12 دولار للبرميل .. وانطلق في ارتفاعات متتالية إلى أن وصل إلى أعلى نقطة له عند 135.09 دولار للبرميل يوم 22 أيار (مايو) 2008م الماضي .. إذاً نستطيع وبسهولة أن نجد العلاقة العكسية بين أسعار النفط وسعر صرف الدولار، فكلما انخفض الدولار، صعد النفط والعكس بالعكس .. إلا أن ما أريد أن أتوقف عنده هو أن سعر الصرف ليس هو العامل الوحيد الذي يؤثر في النفط .. فكما نلاحظ من الطرح السابق أن الدولار فقد نحو 42 في المائة من قيمته منذ أن بدأ بمسلسل الهبوط منذ نحو سبع سنوات، لكن النفط ارتفع خلال الفترة نفسها تقريباً من 17 إلى 135 دولارا أي نحو ثمانية أضعاف .. إذاً توجد عوامل أخرى غير سعر الصرف تسببت في هذا الارتفاع الخيالي.
العرض والطلب والتوازن من أهم النظريات الاقتصادية، وتبدو هذه الأهمية عندما نطبق ذلك على النفط، ولنبدأ باستعراض جانب الطلب أولاَ ثم جانب العرض .. فالطلب على النفط (حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA) ارتفع من 63 مليون برميل يوميا عام 1980م إلى نحو 83.6 مليون برميل يوميا في عام 2005م أي بنسبة 33 في المائة، وكانت الزيادة الأكبر من ناحية النسبة المئوية من نصيب منطقة الشرق الأوسط التي ارتفع فيها استهلاك الطاقة من مليوني برميل يومياً في عام 1980م إلى 5.8 مليون برميل يوميا عام 2005م أي بزيادة بلغت 190 في المائة، أما الزيادة الأكبر من ناحية الكمية فقد كانت من نصيب منطقة آسيا وأوقيانوسيا التي تضم الصين، اليابان، الهند، باكستان، الكوريتين، أستراليا، نيوزيلندا، وغيرها، حيث ارتفع فيها استهلاك النفط من 10.7 مليون برميل يوميا في عام 1980م إلى 23.8 مليون برميل يوميا في عام 2005م أي بزيادة بلغت 122 في المائة .. أما أوروبا فلم يرتفع فيها استهلاك النفط خلال الفترة من 1980 إلى 2005م حيث بقى ثابتا عند مستوى استهلاك بلغ 16 مليون برميل يوميا .. أما أمريكا الشمالية فقد ارتفع فيها استهلاك النفط عن الفترة نفسها بمقدار 25 في المائة، من 20 إلى 25 مليون برميل يوميا.
أما جانب العرض فيُظهر أن الإنتاج العالمي الكلي من النفط في عام 2005م (حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA) بلغ 84.65 مليون برميل يومياً في مقابل استهلاك عالمي بلغ 83.66 مليون برميل يومياً، أي أن الفائض لم يتجاوز مليون برميل يومياً .. وإذا ما انتقلنا مباشرة إلى عام 2006م فنلاحظ أن الاستهلاك العالمي من النفط ارتفع إلى 84.76 مليون برميل يوميا في حين إن الإنتاج العالمي بلغ 84.6 مليون برميل أي أن الاستهلاك أو الطلب تـفوق لأول مرة على العرض، وهنا جاءت النظرية الاقتصادية لتلعب دورها في ارتفاع الأسعار عندما يزيد الطلب على العرض، وفي عام 2007م استمرت زيادة الاستهلاك العالمي لتبلغ 85.72 مليون برميل يوميا لتتجاوز الإنتاج العالمي من النفط الذي بلغ 84.69 مليون برميل يوميا، أي أن العجز كان نحو مليون برميل يومياً .. إلا أن توقعات عام 2008م تشير إلى عودة التوازن بين الطلب والعرض .. لكن هذه التوقعات لم تأخذ بعين الاعتبار قيام حرب محتملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أو إسرائيل وإيران، أو حدوث عمليات إرهابية أو تخريبية في منشآت نفطية، أو استمرار الاضطرابات في نيجيريا، أو حدوث أعاصير أو زلازل في دول منتجة للنفط .. إضافة إلى تجاهل البيانات التي تشير إلى تباطؤ نمو الإنتاج النفطي في كل من المكسيك وروسيا، وانخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى دول "أوبك"، وانخفاض إنتاج فنزويلا من النفط إلى نحو 2.4 مليون برميل يومياً بعد أن كان ثلاثة ملايين برميل يوميا في عام 2002م، بسبب قيام الرئيس الفنزويلي شافيز بطرد أكثر من 20 ألف عامل كانوا يعملون في المنشآت النفطية التابعة للشركات الأمريكية والعالمية .. أما إنتاج العراق من النفط فلا يزال يقبع تحت المستويات الإنتاجية قبل غزو العراق عام 2003م بسبب الأضرار التي لحقت بالصناعة النفطية أثناء الحصار وأثناء الحرب وبعدها.
الأحوال الجوية في العالم والتغير الذي طرأ عليها أسهم أيضاً في تأجيج مشكلة ارتفاع أسعار النفط، فإعصار كاترينا والأعاصير الأخرى والزلازل والكوارث الطبيعية جميعها تبقى أسبابا محتملة في أي وقت قد تؤدي إلى التأثير في معادلة النفط العالمية، فمع انتهاء فصل الربيع ودخول فصل الصيف بعد نحو شهر من الآن تنشط الأعاصير من جديد لتهدد منصات النفط العائمة في خليج المكسيك وعلى السواحل الشرقية للولايات المتحدة على المحيط الأطلسي .. كذلك نحن نقترب من "موسم القيادة" في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الموسم الصيفي الذي يختاره المواطنون الأمريكيون للتنزه والخروج في رحلات برية طويلة تستهلك الكثير من الوقود في سياراتهم الكبيرة، مما يسهم في زيادة الطلب على الجازولين.
كما أن الطاقة التكريرية للمصافي تعد تحدياً كبيراً، فأغلب المنشآت النفطية في العالم تتوقف عن الإنتاج أحيانا بسبب قدمها وتكرار عمليات الصيانة فيها وخصوصاً في المواسم، كموسم الصيف وموسم الشتاء .. كما أن تنامي جماعات حماية البيئة قد يتسبب في فرض المزيد من الضرائب على الطاقة سواء في الدول المنتجة أو المستهلكة.
أما المضاربون والتجار والمحللون الماليون والاقتصاديون، فقد لعبوا دوراً أساسياً في توجيه أسعار النفط خلال العقد الأخير، فمع تطور وسائل التداول الإلكترونية وتشجيع الوسطاء عملاءهم على الاتجار والمضاربة من خلال إعطائهم تسهيلات تصل إلى 100 ضعف رؤوس أموالهم، أصبح النفط والعقود الآجلة وسيلة للمضاربة وتحقيق الربح، وهذا ساعد على التذبذب العالي للأسعار والتغير السريع صعودا وهبوطاً، كما أن تقديرات المحللين الماليين والاقتصاديين ساعدت على تأجيج الأسعار من خلال إعطاء تقديرات متفائلة للأسعار المستقبلية.
إن حلم الاعتماد على الطاقة البديلة بدأ يتبدد شيئاً فشيئاَ، فعمليات استخراج الإيثانول (أحد البدائل) من الذرة والسكر والقمح وغيرها من الحبوب والمحاصيل تسبب في شح هذه المواد الأساسية، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بدرجة خيالية، الأمر الذي بدأ يهدد العالم بمجاعة إن استمرت عمليات الاستنزاف هذه، كما أن الحصول على الطاقة من المفاعلات النووية لا يزال حكراً على الدول العظمى، أما الطاقة الشمسية وطاقة الهواء وغيرهما من أنواع الطاقة لاتزال في مهدها وتحتاج إلى الكثير من الإنفاق على البحث والتطوير.
الشعور بالخطر من مستقبل الصناعة النفطية والتقديرات المتشائمة التي تقول بنفاد الاحتياطي النفطي العالمي خلال فترة تراوح بين 40 و50 سنة، سيدفع بالكثير من الدول إلى بناء مخزون استراتيجي وهو ما يتوقع أن يفاقم المشكلة السعرية أكثر وأكثر، كما أن تعافي العالم من تبعات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة بسبب مشكلة الرهن العقاري، وعودة الكثير من الاقتصادات إلى النمو من جديد سيؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة أكثر بكثير من المستويات الحالية، مما ينذر بحدوث عجز كبير في الطاقة في لحظة ما في المستقبل القريب.
إذن كل الطرق تؤدي إلى الارتفاع، فلماذا لا يرتفع النفط؟! لكن السؤال المهم هنا هو: ما النطاق السعري الذي ستتوقف عنده أسعار النفط ليحدث التوازن؟ .. وحسب رأينا أن أسعار النفط أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق 150 دولارا خلال الشهرين المقبلين، وقد تصل إلى 200 دولار خلال الربع الأول من عام 2009م، وربما تسعى الإدارة الأمريكية النفطية بقيادة بوش الابن وكوندوليزا رايس وديك تشيني الوصول إلى 200 دولار خلال ما تبقى من عام 2008م لتمويل حملة انتخابية أخرى بأموال الشركات النفطية الأمريكية كما حدث في خريف عام 1999م .. أما متوسط أسعار النفط العادلة خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين فإنها حتماً (بإذن الله) ستصل إلى 500 دولار على أقل تقدير .. ويبقى الأمل الوحيد في عدم الوصول إلى هذه الأسعار (بعد مشيئة الله) هو حدوث اكتشافات نفطية ضخمة، أو حدوث تطور تكنولوجي مهم يقلل من الاعتماد على الطاقة النفطية، أو حدوث ركود عالمي طويل يعيد التوازن إلى العالم .. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا ويجنبنا الشرور، ودمتم بود.