رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.. وسر التميز؟!

[email protected]

لم يكن مستغربا أن تحصل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على المرتبة الأولى على مستوى الجامعات العربية في تصنيف التايمز (QS) العالمي، وتصنيفها الجامعة العربية الوحيدة ضمن أفضل 400 جامعة في العالم، وأن تحتل مرتبة متقدمة عالمياً في مجالات البحوث الهندسية حسب تصنيف شبكة ISI المعرفية للتخصصات الهندسية من بين أفضل (915) جامعة في العالم، والمرتبة الأولى في العالم العربي حسب ذات التصنيف، كما حصلت على شهادة التميز في النشر من شبكة إيمرالد العالمية حيث تم اختيارها ضمن أفضل (50) جامعة في العالم. كل ذلك كان متوقعا، فجامعة البترول تميزت منذ إنشائها في عام 1963 في كل جوانب العملية التعليمية من المباني إلى نظامها الإداري مرورا بأعضاء هيئة التدريس والبرامج والمناهج وطرق التدريس وحتى متابعة الخريجين. لقد كانت ومازالت حالة مميزة ونموذجا مثاليا للتعليم العالي ليس في السعودية وحسب بل على امتداد الوطن العربي والدول النامية. هذا التميز تحسه وتشاهده منذ الوهلة الأولى التي تطأ قدمك فيها حرمها الجامعي فهناك معايير مهنية وأكاديمية عالية لتجد الأمور تسير بانتظام ونسق حسب خطط مسبقة واضحة وإجراءات دقيقة محسوبة وثقافة تنظيمية تعتمد البحث عن الأفضل. الجامعة منظمة تتعلم وتدار بوعي، وبإيمان عميق وراسخ في أن عملية التطوير عملية مستمرة، تتطلب بناء الخبرات والاستفادة من التجارب والمبادرات وعدم التوقف والاكتفاء بتحقيق مستوى معين من الإنجاز. إنها "جامعة حية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى فهي تستجيب للمستجدات وتساير التقدم التقني وتتطلع دائما للأفضل. لقد اكتسبت صيتا وشهرة بمستواها العلمي الراقي واستطاعت أن تتفوق على كثير من الجامعات العريقة في المنطقة العربية التي سبقتها بدهور طويلة.
السر الكبير وراء هذا التميز – باعتقادي - هو نجاحها في التحول من منظمة إلى مؤسسة ذات قيمة اجتماعية. كثير من الجامعات لم تفلح في أن تكسب تقدير العموم وتتناغم مع قيمهم وتطلعاتهم ولم تحتل مكانا في وجدانهم لأنها تتعامل معهم كمنظمة لا تتعدى علاقاتها الجانب المنفعي الاقتصادي في تقديم خدمات تعليمية بغض النظر عن طبيعة البرامج والقائمين عليها والعلاقة مع المؤثرين والمتأثرين في المجتمع. إن التحول من منظمة إلى مؤسسة يتطلب أن تعكس المنظمة القيم والرغبات السائدة والتوجه العام في المجتمع من خلال أهدافها وبرامجها وقياداتها وأسلوب تعاملها مع المتغيرات في البيئة. هكذا يمكن للجامعة كمؤسسة أن تكون مقبولة اجتماعيا وبالتالي أكثر قدرة على إحداث التغيير الاجتماعي عبر إقناع المجتمع بأهميتها ليس الاقتصادية فحسب ولكن قيمتها الاجتماعية. لقد اكتسبت جامعة البترول هذا الاحترام والتأييد والأهمية الاجتماعية حتى إنه لو تم التصويت على اختيار أفضل جامعة باقتراع شعبي لنالت المرتبة الأولى دون منازع. الجامعة لم تكن يوما تدور في فلك الجغرافيا الضيقة وإنما استقطبت أعضاء هيئة تدريس من جميع الجنسيات واتسعت دائرة القبول لتشمل طلابا من جميع مناطق السعودية ومن خارجها كالدول العربية والإفريقية والآسيوية. هذا التنوع الثقافي في تركيبة أعضاء هيئة التدريس والطلاب أثرى العملية التعليمية وأسهم في توسيع مدارك الطلاب وفهم الآخرين ونمى لديهم لغة الحوار واستكشاف تجارب جديدة والقدرة على التحليل والنقاش، والنتيجة تميزهم ليس الأكاديمي وحسب ولكن في إتقان مهارات الاتصال والعلاقات الإنسانية.        
أهمية هذا التقدير العالمي الذي حققته جامعة البترول ليس بما تضيفه من بريق إعلامي وإقناع المسؤولين بأنها مازالت تحتل المركز الأول في التعليم الجامعي على المستويين الوطني والعربي واستحقاقها للدعم المعنوي والمالي وحسب، ولكن في تعزيز توجهها ورؤيتها في التطوير والدفع نحو مزيد من النجاحات والارتقاء وتحقيق الأفضل. هناك كثير من المبادرات والمشاريع والأفكار الإبداعية التي تبنتها الجامعة تقف وراء هذا التميز فلقد اطلعت على تقرير للإنجازات التي حققتها الجامعة وتطلعاتها المستقبلية شمل الجوانب الأكاديمية والإدارية. التقرير يؤكد هذه النزعة نحو التطوير ما جعلها تستحق هذا التصنيف العالمي. لا يملك المرء إزاء هذا السعي الحثيث نحو التميز إلا أن يشعر بالفخر والاعتزاز والأهم الإيمان بالقدرات الوطنية في تحقيق إنجاز عالمي متى ما هيئت الفرصة وكان هناك عزيمة وإصرار ورغبة صادقة. التقرير يتحدث بإسهاب عن مبادرات ومشاريع كثيرة مذهله انبثقت من خطة استراتيجية تركز على جودة التعليم والابتكار في البحوث وتعزيز دور الجامعة في خدمة المجتمع. وهذا بيت القصيد، فالجامعة تعي بالضبط ماذا تريد أن تكون عليه في المستقبل والطريق الذي يجب أن تسلكه للوصول لذلك الوضع المرغوب. إنه التأسيس على قاعدة صلدة متينة تضمن الاستمرارية والنجاح وبناء الخبرات عبر مراحل متلاحقة تراكمية تستند إلى معايير واضحة وعالية تحقق الأهداف بكفاءة وفاعلية. إن الالتزام بالرؤية والاستراتيجية والمعايير إلى نهاية الطريق هو عامل النجاح الرئيس والضامن لتحقيق الإنجازات بعد توفيق الله، إذ إن آفة صناعة القرار هي عدم الالتزام والانشغال بإدارة الأزمات وإطفاء الحرائق هنا وهناك والإغراق بالعمل الروتيني وعدم الاستعداد للمستقبل بل عدم الإسهام في صناعته.
العلامات الأبرز في تنفيذ استراتيجية جامعة البترول هي في تبني عدة مبادرات للتطوير الأكاديمي والإداري مثل تأسيس المجلس الاستشاري الدولي، وصندوق دعم البحوث والبرامج التعليمية، والكراسي العلمية، ومكتب التعاون الدولي، وتبني مشروع الجامعة الإلكترونية من خلال المقررات الإلكترونية والفصول الدراسية الذكية والمكتبة الرقمية التفاعلية وتطبيق نظام التسجيل الإلكتروني، وإنشاء عمادة التطوير الأكاديمي لدعم أعضاء هيئة التدريس وتطوير مهاراتهم التعليمية وتحديثها، وقد توجت جهود الاعتماد الأكاديمي في حصول برامج كليات الهندسة والإدارة الصناعية على الاعتماد من هيئات عالمية. وعلى صعيد البحث العلمي والتطبيقي، يعد معهد البحوث بالجامعة بيت الخبرة المتميز للبحوث التعاقدية والاستشارات العلمية، هذا إضافة إلى مركز تقنية النانو لخدمة الاحتياجات الملحة في مجالات الطاقة والبيئة، ومركزي تكرير البترول والبتروكيماويات والطاقة المتجددة. ولم يغب عن الجامعة أهمية تطوير الكادر الإداري فاستحدثت برنامج "ارتقاء". لقد تم اعتماد معايير أكاديمية للقبول لضمان جودة المدخلات وتطويرها عبر برنامج للسنة التحضيرية، كما يتلقى الطلاب قبل تخرجهم دورات متخصصة لتنمية المهارات المطلوبة في سوق العمل. وهناك مركز للتوجيه والإرشاد يعنى بتقديم المشورة للطلاب في الأمور الأكاديمية والاجتماعية، أما الطلاب الموهوبون فقد خصص برنامج لرعايتهم.
لا شك أن الجامعة حظيت بقيادات إدارية سعت للحفاظ على مستوى التميز إلا أن مديرها الحالي د. خالد السلطان أدرك أن الوقت موات لأن تلعب الجامعة أدوارا جديدة وأن تسبر آفاقا تتعدى المألوف وأن تصل إلى مستويات لم تعهد من قبل. ما يميز د. السلطان أن لديه رؤية واضحة وشجاعة في خوض تجارب جديدة والعمل بروح الفريق ونظرة واقعية مستنيرة يزين كل ذلك دماثة خلق وتواضع جم. أقول كل ذلك بموضوعية وحيادية لأنه ليس لي علاقة بالجامعة سوى أنها مؤسسة وطنية مميزة فرضت احترامها على الجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي