رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


101 تمويل: عقود مبادلة مخاطر الإفلاس CDS’s

[email protected]

للأزمة المالية العالمية أسباب عامة تتعلق بقروض الرهن العقاري والنتائج المترتبة عليها، وأسباب تفصيلية تتعلق بالأدوات المالية المستخدمة في هيكلة هذه القروض وإعادة بيعها للمستثمرين، أو عملية بيع المخاطر المتعلقة بها. الأطروحات التي قدمت تتعلق دائماً بالأسباب العامة ولم أر أي إشارة إلى الأسباب التفصيلية لهذه الأزمة. من هذه الأسباب التفصيلية ما يتعلق بعقود مبادلة المخاطر الائتمانية Credit Default Swaps التي كان لها دور كبير في الأزمة التي عصفت بالمجموعة الأمريكية العالمية AIG. ولما لهذه العقود من أهمية في مجال التمويل الحديث فقد ارتأيت شرحها بشكل مبسط لكي يتمكن القارئ الكريم من فهم الأزمة المالية بشكل أعمق.
تتضمن عقود مبادلة المخاطر أو CDS’s عقداً بين طرفين بحيث يتعهد المشتري بدفع مبلغ نقدي بشكل دوري في مقابل تعهد البائع (مصدر الـ CDS’s) بتعويض المشتري عند حدوث خسائر تتعلق بأصل معين إما سند وإما سهم لشركة محددة. وهو يمثل على هذا الأساس وسيلة لتأمين المشتري ضد مخاطر انخفاض القيمة السوقية للأصل محل التبادل مقابل رسوم محددة سلفاً كما يمثل وسيلة للتحوط ضد مخاطر الاستثمار غير المتوقعة. أضف إلى ذلك أن عقد تبادل المخاطر CDS’s يزود المستثمرين بشكل عام بمعلومات عن مستوى المخاطر المتعلقة بأي أصل محل التبادل.. كيف يتم ذلك؟
لنفترض أن مستثمراً ما يريد أن يشتري عقود مبادلة مخاطر الإفلاس CDS’s على ما قيمته 100 ألف دولار من أسهم شركة (س) عندما كان سعر العقد على هذه الشركة 50 نقطة أساس أو 0.5 في المائة من قيمة كل سهم، بما يعني أن المستثمر يجب أن يدفع ما قيمته خمسة آلاف ريال لحماية نفسه من مخاطر الإفلاس المتعلقة بحيازته ما قيمته 100 ألف ريال من أسهم شركة (س). وفي الوقت نفسه إذا أراد المستثمر ذاته حماية نفسه من مخاطر إفلاس شركة (ص) فيجب عليه أن يدفع ما قيمته 0.6 في المائة من قيمة كل سهم من أسهم هذه الشركة. هذا الفرق في سعر الـ CDS’s لكل من الشركتين يعكس ارتفاعاً في المخاطر في الشركة (ص) مقارنة بالشركة (س). وبالتالي فإن سعر عقد مبادلة مخاطر الإفلاس يزودنا بمعلومات عن المخاطر المتعلقة بإفلاس كل شركة مما يسهم في تحسين القرارات الاستثمارية للمستثمرين بمقارنة العوائد المتوقعة من الاستثمار بالمخاطر المرتبطة بها، وفي توفير وسيلة مالية للمؤسسات الاستثمارية للتحوط ضد مخاطر الإفلاس. فكلما ارتفع سعر عقد مبادلة مخاطر الإفلاس، دل ذلك على زيادة احتمال إفلاس الأصل المرتبط بذلك العقد والعكس صحيح. إضافة إلى ذلك، فبإمكان أي مؤسسة مالية شراء عقود مخاطر الإفلاس بغرض المضاربة عليها فقط ودون الحاجة إلى حيازة الأصول المرتبطة بها, ما يوفر السيولة لهذا النوع من العقود.
في حالة شركة AIG التي باعت كثيرا من عقود المبادلة ابتداءً من عام 1998 الوضع كان مربحاً جداً. إذ لم تضطر الشركة إلى تقديم تعويض نتيجة إفلاس أي من الأصول محل العقد, ما مثل لها مصدر أرباح وفيرا ومنخفض المخاطر. لكن عقود المبادلة التي باعتها AIG تضمنت، إضافة إلى مخاطر الإفلاس، خطرين آخرين: الأول التزامها بتقديم ضمان مالي Collateral في حالة انخفاض قيمة الأصل محل العقد أو في حالة تخفيض تصنيفها الائتماني. وبالتالي فإنه يضاف إلى مخاطر الإفلاس كل من مخاطر انخفاض القيمة السوقية للأصول وخطر تخفيض التصنيف الائتماني لـ AIG في حالة تزايد احتمال عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها.
وهنا تكمن المشكلة، إذ إن النماذج التقييمية للمخاطر المتعلقة بعقود المبادلة ركزت على خطر الإفلاس وتجاهلت الخطرين الآخرين بسبب عدم وجود ما يدعو إلى القلق بشأنهما. لكن ما إن بدأت بوادر الأزمة في الظهور في بداية عام 2007 حتى بدأت الشركة تقلل من انكشافها على هذا النوع من العقود لكن بعد فوات الأوان. إذ بدأت طلبات المؤسسات المالية تتوالى على الشركة لتقديم الضمانات المالية المتعلقة بانخفاض القيمة السوقية للأصول محل التعاقد. فطلب جولدمان ساكس ما قيمته ثمانية مليارات دولار من الضمانات المالية، ثم توالت طلبات الضمانات المالية التي بلغ مجموع قيمتها أكثر من 16 مليار دولار.
بسبب توالي طلبات الضمانات المالية على الشركة أصبح وضعها المالي على المحك, ما دعا مؤسسات التصنيف الائتماني إلى تخفيض تصنيفها الائتماني, الأمر الذي جعل مصير الشركة على المحك. إذ إن قوة شركات التأمين يعتمد كلياً على قوة تصنيفها الائتماني, وبالتالي فإن أي تخفيض في ذلك التصنيف يمثل رصاصة الموت الرحيم لتلك الشركة. وهذا ما دعا الحكومة الفيدرالية الأمريكية إلى التدخل لتأميم الشركة بضخ ما قيمته 85 مليار دولار في رأسمال الشركة لحماية ما قيمته 62 تريليون دولار من عقود مبادلة مخاطر الإفلاس CDS’s في العالم.
يبقى السؤال عما إذا كان هذا الحدث سيمثل نهاية هذا النوع من الأصول المالية؟ وفي محضر الجواب عن هذا السؤال أستحضر جواباً لأستاذ التمويل الدولي في جامعة نيو في نيويورك صالح نفتشي عن سؤال مماثل حيث قال: إذا لم نفعل ذلك سيفعله غيرنا. بمعنى أنه على الرغم مما حدث، إلا أن ذلك لن يمثل النهاية بالنسبة إلى هذا النوع من الأصول، ولكنه سيمثل نقطة مراجعة لنماذج تقييم المخاطر المتعلقة بتلك الأصول, ما سينقل معه عالم التمويل إلى مرحلة جديدة بالكامل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي