رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التصدي لانهيار المصارف

[email protected]

في بداية الأزمة المالية سارع مجلس الاتحاد الفيدرالي إلى تقديم القروض العامة كبديل عن القروض الخاصة لتمكين المصارف من الاستمرار في أداء أنشطتها وحل أزمة السيولة لديها. وتعمل هذه الطريقة في حالة ظهور عجز في السيولة، ولكن لم يؤد ضخ السيولة إلى حل مشكلة المصارف المنهارة، لأن المشكلة في الأساس ليست مشكلة سيولة وإنما مشكلة تلاشي رأس المال. فالسياسة النقدية المتمثلة في توفير السيولة تؤدي مؤقتا إلى استمرار المصارف في تقديم مزيد من الائتمان حتى نفاد السيولة المقدمة ولكنها لا تزيد من رأس المال.
ولحل معضلة تلاشي رساميل المصارف المنهارة ينبغي رفع رساميلها. ومن المعروف أن هناك طريقتين لحل المعضلة، الأولى تتمثل في بيع مزيد من الأسهم لمستثمرين حاليين أو جدد, والأخرى تتلخص في الاحتفاظ بالأرباح. وسيعمل إصدار أسهم جديدة على توفير موارد مالية إضافية ويرفع من قدرة المصرف على التعامل مع انخفاض رأس المال. ويتطلب هذا الأسلوب إقناع المستثمرين بقدرة المصارف المهددة بالخروج من أزمتها وتحقيق عوائد مجزية بقدر مقبول من المخاطرة. أما الأسلوب الآخر لرفع رأس المال فيتمثل في الاحتفاظ بالأرباح التي تحققها المصارف وإضافتها إلى احتياطاتها أو رساميلها. وقام عديد من المصارف في الولايات المتحدة مثل بنك أمريكا بالتوقف عن صرف الأرباح أو خفض توزيعاتها لتوفير مصادر مالية إضافية لمواجهة انخفاض قيم الأصول لديها. وهذا الأسلوب بطيء وقد لا يوفر الأموال اللازمة لإنقاذ المصارف, كما أنه يتطلب وقتاً طويلاً قد لا يتوافر لإنقاذ المصارف المهددة بالانهيار.
وتقترح وزارة الخزانة الأمريكية شراء مزيد من أسهم المصارف المهددة بالانهيار ورفع رساميلها حتى تتمكن تلك المصارف من الاستمرار في أعمالها. ويشكك المعارضون لهذه الخطة بنجاح هذا الأسلوب، حيث يعتقدون أنه يسمح للمصارف بالاحتفاظ بالموجودات الملوثة أو السامة كما يسميها البعض. واستمرار احتفاظ المصارف بهذه الأصول هو المسؤول عن انخفاض رساميلها. والسماح بالاحتفاظ بالأصول السامة يجعل المصارف عرضة للارتياب من تردي نوعية أصولها ويمنع القطاع الخاص من الثقة بها. ويرى المعارضون ضرورة تنظيف أصول المصارف من الأصول الملوثة أولا لإعادة ثقة القطاع الخاص بنوعية الأصول، ثم إذا تطلب الأمر شراء أسهم لإنقاذ تلك المصارف يتم الاستثمار فيها إذا كان هذا ضرورياً.
وبنى المعارضون لخطة وزارة الخزانة حجتهم على تجربة شراء عدد من الصناديق السيادية أسهماً في عدد من المصارف المهددة بالانهيار في نهاية عام 2007. ورفع شراء الصناديق مزيدا من أسهم المصارف المهددة من رساميل تلك المصارف بشكل مؤقت. ولكن السماح باستمرار تلك المصارف بالاحتفاظ بالأصول الملوثة منع الأسواق من منح الثقة بهذه المصارف, ما أوقف تقديم الإقراض لها وأدى إلى تلاشي تأثير رفع رأس المال وانهار عدد من تلك المصارف.
ويرى المعارضون لخطة وزارة الخزانة أن الأسلوب الناجع في التعامل مع الأزمة يتطلب ضرورة التخلص من الأصول الملوثة أولا وبأقصى سرعة. حيث من المفترض شراء الأصول الملوثة بحسم معين من المصارف. وتستطيع الحكومة الانتظار لبعض الوقت وتحصيل جزء من هذه الأصول الملوثة بينما لا تستطيع المصارف الانتظار لأنها مهددة بتوقف أعمالها. وبهذه الطريقة تستطيع المصارف استبدال الأصول الرديئة الموجودة في محافظها بأصول جيدة على شكل نقد أو سندات خزانة. ومن المحتمل بعد ذلك أن تعود الثقة بالمؤسسات المالية في حالة تنظيفها من الموجودات الملوثة ويعود القطاع الخاص إلى توفير الرساميل اللازمة وتزويدها بالائتمان, وبهذا تعود إليها الحياة من جديد ولا تحتاج الحكومة إلى الاستثمار فيها. وإذا لم تثمر عملية تنظيف الأصول في عودة ثقة القطاع الخاص بالمصارف المهددة فيمكن للحكومة إنقاذ تلك المصارف عن طريق شراء مزيد من الأسهم فيها.
ويرتفع جدل في الولايات المتحدة حول نوعية الأسهم التي على الحكومة شرائها، حيث يرى البعض إمكانية شراء أسهم عادية بينما يعارض الآخرون شراء مثل هذا النوع من الأسهم, ويرون ضرورة أن تكون الأسهم الحكومية المشتراة في المصارف أسهماً ممتازة. ومن المعروف أن الأسهم الممتازة لا تسمح لملاكها بالتصويت في الشركات, وبهذه الحالة يتم تجنب تدخل الدولة في إدارة هذه المصارف واستغلالها من بعض صانعي القرارات. ويعارض أصوليو السوق شراء الدولة أي أسهم في المصارف. ويرى كثيرون أن إدارات المصارف المنهارة اتخذت مجازفات كبيرة في أسواق المال وحققوا ثروات ضخمة وعليهم تحمل نتائج أعمالهم. ويرى عدد من معارضي خطة وزير الخزانة الأمريكي أنه ينبغي ألا تستخدم أموال دافعي الضرائب لإنقاذ المتهورين. كما لم يدعم كثير من الأمريكيين خطة الإنقاذ بسبب توجيهما الدعم للأغنياء وتجاهلها معاناة الطبقات منخفضة الدخل التي فقدت منازلها.
وبغض النظر عن الأزمة الحالية فإن المصارف في أي مكان معرضة للانهيار مهما كان حجمها أو مكانها وإن بدا أن المصارف الكبيرة أكثر قدرة على مواجهة المصاعب المالية. وينبغي دراسة الأزمة الحالية بعناية فائقة لتعلم الدروس التي ترفع من حصانة المصارف أمام الانهيارات المالية وتساعد على إنقاذ المتعثر منها. وعلى المختصين دراسة الأسباب الحقيقية مهما كانت بسيطة وعدم التركيز بشكل كبير على النماذج المعقدة فقط للوصول إلى حلول للأزمات الاقتصادية. وتحتاج المصارف في منطقتنا إلى مزيد من الشفافية حول الاستثمار والإقراض، كما تحتاج إلى رفع مستويات رسملتها ومراقبة أساليب الإقراض وعدم التركيز على خدمة مجموعات ضيقة من المستثمرين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي