الانتخابات الأمريكية.. أين مصلحتنا؟
دور أمريكا في المنطقة والعلاقات معها تجعل الانتخابات الأمريكية مركز اهتمام الكثير في العالم وخاصة في هذا الجزء منه. حمى المنافسة كبيرة بين الجمهوريين بقيادة ماكين وسارة بلين، وبين الديمقراطيين بزعامة باراك أوبام وجو بايدن. ظاهرة أوباما ذات الجاذبية الشخصية والظاهرة الجديدة في المسرح السياسي أخذت الجمهوريين على غرة خاصة أن مرشحهم كبير في السن ولم يعرف عنه قدرة خطابية. إضافة إلى ذلك فإن أمريكا تمر بأوضاع مالية واقتصادية صعبة بل إن جرينسبان وصف الوضع المالي بأنه حرج وأن صعوبات بهذا التعقيد والحجم لا تمر إلا كل قرن. وحيث إن هذه الأوضاع أتت في عهد بوش الجمهوري وعلى نهاية فترته الثانية فإن على الجمهوريين حملاً ثقيلاً ولذلك فإن استطلاعات الرأي كانت تصب في احتمال فوز الديمقراطيين على خلفية الوعود بإنهاء الأزمة الاقتصادية والحد من استخدام القوة واستبدال ذلك باستخدام الدبلوماسية في السياسة الخارجية. كان الوضع مواتياً جداً لفوز الديمقراطيين ـ وقد يفوزون ـ ولكن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تحولاً مهماً استطاع فيه الجمهوريون نقل المعركة من ميدان الاقتصاد والحروب الخارجية إلى ميدان المعترك الثقافي. نظراً لنجاح التجربة الأمريكية، لا تزال أمريكا في أغلبيتها مجتمعاً محافظاً في جزيرة كبيرة يعزلها محيطان عن العالم ويساعد على هذه العزلة النسبية عن العالم كبر الحجم اقتصاداً ومساحة وسكاناً وشعوراً بالتميز. على أثر أحداث أيلول (سبتمبر) راهن الجمهوريون على هاجس الأمن داخلياً وخارجياً. كذلك راهنوا على الجانب الثقافي الذي أهم أركانه البعد الديني وأخطار ما يحمله الديمقراطيون من تحرر ثقافي الذي يذكرون أنه يضعف الهوية الدينية وحتى العرقية التي تبقى في الظل نظراً لتجربة أمريكا المريرة مع التنوع العرقي خاصة في معاملة السود وتزايد هجرة المكسيكيين وغيرهم. تزداد حساسية هذا العامل في كون أوباما من السود. لذلك فإن نقل المعركة من الاقتصاد والسياسة الخارجية إلى الثقافة رهان ذكي ولكن يبقى السؤال فيما إذا كان ذلك يكفي لتجريد الديمقراطيين من استخدام الأوضاع الاقتصادية والسياسة الخارجية لصالحهم. في نهاية المطاف، أمريكا بلد مؤسساتي تحكمه وتديره المصلحة. فكما ذكر الرئيس الأمريكي هاردنج قبل أكثر من 100 عام أن "The business of American politics is business" أي "هدف السياسة الأمريكية هو خدمة مصالح الأعمال". أي من هذه المصالح يحظى بالأولوية لدى الإدارة الجديدة يعد مهما لكل من له علاقة مع أمريكا. لذلك فإن الاختلافات بين الحزبين محدودة ولكن يبقى للشخصيات دور مؤثر. ما يهمنا في منطقة الخليج أن للجمهوريين اهتماماً خاصًا بقطاع النفط والغاز والسلاح، وكل هذه تساعد على إطالة بقاء صناعة النفط مركزية العالم وإطالة الاعتماد على هذه الصناعة. من ناحية السياسة الخارجية فإن الديمقراطيين أقل وضوحاً في الغالب وكذلك فإن أي تغيير قد يرسل رسائل خاطئة إلى خصوم أمريكا في المنطقة مما قد يعقد التجاذبات الإقليمية التي تعد سياسة أمريكا أحد أهم أسبابها ولكنها ليست السبب بالتصويت الوحيد. لا نستطيع التنبؤ بفوز أي من الطرفين، ولكن إحصائياً يختار نحو نصف الأمريكيين بلا تصويت في الانتخابات. إضافة إلى ذلك فإن الغالبية تقرر فقط في آخر سبعة أو عشرة أيام لمن سيختارون.لذلك فإن ارتفاع درجة الحماس والتوجس والتوقعات ما هو إلا ظاهرة إعلامية تعيد نفسها في كل حملة انتخابية. فالدور الإعلامي يطغي على المسائل الملحة التي لا يريد السياسي فيها مصارحة الناس ولا يريد الناس سماع الحلول الصعبة والتضحيات. فيتفق المواطن والسياسي على تأجيل المسائل الملحة والاكتفاء بالركون إلى المقارنات الشخصية واللعب على العواطف.