واقعنا.. بين الصورة والحقيقة خدمات الطرق تشوه صورتنا

[email protected]

تخيل أخي القارئ أن عندك وليمة مساء اليوم لضيف عزيز، ماذا ستعمل؟ ما استعداداتك؟ بالطبع العشاء على أفضل ما يجب والمجلس مرتب وأنت والأبناء آخر أناقة وبالتأكيد السواق قام بغسل الفناء الخارجي والحديقة قد قلمت، والخادمة نظفت الملحق ودورات المياه .. إلخ.

تخيل أيضاً وأنت في عملك وبانتظار ضيف مهم سيصلك صباح الغد ستجد أنك قد بلغت الزملاء وأكدت على السكرتارية وأوصيتهم بحسن الترتيب وجهزت موقف السيارة والاستقبال، وقد تكون أرسلت تعميما إلى الزملاء بالاستعداد، وجهزت بعض المرطبات إضافة إلى هدية قيمة (أو درع كعادة التقليديين) .. إلخ.

كيف سيكون استعدادك إذا عرفت أن هذا الضيف الغالي والعزيز عليك .. قد جاءك بعد ما مر على مجموعة من المنافسين لك والذين بلغ استعدادهم وترحيبهم ذروته ليس لأنه غال عليهم فقط ولكن لأنها طبيعتهم في الترحيب وطلاقة الوجه ونظافة المنزل الدائمة .. بالتأكيد ستجد أن تجهيزك سيكون فوق العادة.
كيف سيكون استعدادنا إذا كان هؤلاء الضيوف هم ضيوف الله، سبحانه وتعالى، وقد كلفنا الله نيابة عنه بالاحتفاء بهم وضيافتهم؟ ويطرح السؤال نفسه: ما استعدادنا لوفود الحجيج القادمين برا أو المستخدمين لطرقنا البرية في تنقلاتهم؟ إنهم الضيوف الذين كلفنا الله بخدمتهم .. وقد يكونون السبب الذين أمدنا الله بنعمته من الأمن والمال لضيافتهم .. وما أعنيه هنا تحديدا مستوى الخدمات التي تقدم للمواطنين والزوار عن طريق البر وخاصة دورات المياه على خطوطنا البرية، حيث نستقبل مئات الآلاف من الحجاج الذين يقدمون علينا أفواجا لأداء فريضة الحج.

لقد بذلت الدولة الكثير من أجل إقامة شبكة الطرق البرية التي سهلت على المواطنين والزائرين، ومازال السفر بالسيارة أكثر وسائل السفر استخداماً وأقلها تكلفة وأسهلها وأقلها تعقيداً، ولكن ما الذي يحمل المسافر همه عندما يخطط للسفر بالسيارة؟ إنها الخدمات، ويتضاعف الهم عندما يكون السفر مع العائلة، فمع أن طرقنا البرية تنافس أفضل الدول المتقدمة إلا أن الخدمات المتوافرة على طرقنا البرية لا ترتقي حتى إلى مستوى الدول الأكثر تخلفاً في العالم .. وخاصة النظافة ودورات المياه (أعزكم الله).

لقد منَّ الله على كثير منا بالسفر براً في شتى دول العالم، سواء في أمريكا وكندا وأوروبا حيث لا جدوى من مقارنة الثرى بالثريا، أو في دول آسيا مثل ماليزيا وإندونيسيا بل حتى في جنوب إفريقيا حيث تعد خدمات الطرق لدينا مقارنة بهم صفراً ولكنه للأسف على الشمال، والأسوأ من ذلك عند مقارنة خدمات الطرق لدينا بالخدمات المقدمة في دول الخليج، حيث إننا ومع الأسف بعيدون جداً عن مستواها، ولا أخفي سراً أنني عادة عندما أسافر براً فإني أجهز سيارتي بجميع الاحتياجات، وأهم التجهيزات تكون عادة متعلقة بدورات المياه لقضاء الحاجة في البر (أعزكم الله) بدلا من استخدام دورات المياه المقززة في المحطات على الطريق.

إن مراكز الخدمة وأهمها دورات المياه على الطرق السريعة تشوه الوجه الجميل لأكبر وأفضل شبكة خطوط برية في الشرق الأوسط، والأهم من ذلك أن وضعها الحالي وللأسف في نظر الكثير يعكس حقيقة ثقافتنا وحضارتنا كشعب وأمة وأفراد، وقبولنا الوضع القائم وعدم تقويمه أنما يؤكد هذا الواقع المؤلم.

وأقول للذين لا يسافرون عن طريق البر وخاصة المسؤولين منهم (وأعتذر للقراء الكرام على ما سأورده من أوصاف هنا)، إن لدورات المياه على الطرق السريعة قصة رعب لدى المواطنين والزائرين والضيوف على حد سواء وبشكل خاص النساء، تبدأ هذه الرحلة بالبحث عن دورات المياه وخاصة الدورات الخاصة بالنساء، ولك أن تبحث عن أقبح لوحة مكتوبة بالعربية بخط أشبه بالأوردو يدلك عليها، ولكي أدلك على موقعها فهي حيث لا يوجد لديها مواقف أو أنها مطلة على الخلاء خلف محطة الوقود، وإذا أقبلت عليها قد تجد شيئاً أشبه بالمجاري الطافحة، وقبل دخول دورة المياه تستقبلك الروائح النتنة التي تجبرك على (دق اللطمة)، ثم يجب عليك (تشليح ثوبك) تأهباً لما ستسير عليه من مياه لا تعلم مصدرها، ولن تعرف لون السيراميك من الأوساخ التي تعتليه، ولن تفاجأ إذا وجدت المراحيض مسدودة، ودورات مياه النساء مليئة بحفائض الأطفال، ولا أشك أنك لن تجد أي سلال للمهملات، وقد تكون أبواب دورات المياه بدون أقفال فتضطر إلى استخدام أحد الحجارة المتوافرة بكثرة على الأرض لرد الباب، ويمكنك التسلية بما يكتب على دورات المياه من الداخل إلى أن تفاجأ ببعض العبارات النابية والرسومات المريضة، وأوصي المستخدمين بالتأكد من وجود مياه في دورات المياه قبل استخدامها، وإذا وجدت المياه فعليك التأكد من توافر إبريق ماء يمكن استخدامه، ويجب ألا تنسى الزرادية لأنك ستحتاجها حتماً عندما تهم باستخدام مغاسل المياه للوضوء لأن معظمها مكسور أو تالف، وبالطبع يمكنك بعد الانتهاء أن تستخدم شماغك كمنشفة، وبعد الانتهاء ستودع بمثل ما استقبلت به من حفاوة وتكريم.

للأسف صورة مزرية وهي في الحقيقة تنقل بعض واقع الحال دون مبالغات، وهي حال معظم إن لم تكن كل دورات المياه على خطوطنا البرية .. هل هذه الصورة هي واقع المواطن .. المجتمع .. الوطن .. السعودي !!! حقيقة لا وألف لا ولكنها الصورة التي لا يرى المسافرون عن طريق البر غيرها.

ولكن ما الحل؟ قد يكون هذا السؤال المهم الذي يبحث عن إجابة، وأعتقد أن هناك حزمة من الحلول التي يجب القيام بها لتغيير واقع دورات المياه على طرقنا البرية، ومن أهمها:
* أن تؤسس وحدة خاصة بوزارة المواصلات أو الشؤون البلدية والقروية مهمتها مراقبة الخدمات على الخطوط السريعة، ومن أهمها النظافة والخدمات والمطاعم والاستراحات.
* أن تحدد معايير الحد الأدنى من الخدمات التي يجب توافرها في دورات المياه مثل: عدد دورات المياه للرجال ومثلها للنساء وتشتمل على حمام أفرنجي واحد على الأقل لكبار السن، عدد المغاسل، وتكون جميعها نظيفة وصالحة للاستخدام ومجهزة بشطافات الوضوء، المياه النقية، الصابون، المناديل، مراوح الشفط، لوحات واضحة للدلالة عليها، ومواقف مناسبة.
* أن تلتزم كل محطة وقود بتوفير الحد الأدنى من هذه الخدمات.
* أن توفر كل محطة وقود عاملا واحدا على الأقل على مدار الساعة يكون مسؤولا عن تنظيف وصيانة دورات المياه، وخاصة في المواسم (الحج – رمضان – الأعياد – الإجازات).
* الإعلان عن هاتف مجاني للاتصال به للشكوى، ويكون الرد في وحدة مراقبة الخدمات، ويعلق الرقم في مكان واضح على كل دورات المياه على الطرق السريعة.
* أن تكلف فرق المراقبة بالتفتيش اليومي على هذه المحطات خلال المواسم، وأسبوعيا في باقي العام.
* عند مخالفة أي محطة لهذه المواصفات، تتم معاقبتها ماديا بغرامة مجزية، كما يمكن سحب الرخصة عند تكرار المخالفة، وعند تردي المستوى إلى حد معين يمكن أن يكلف مقاول بإدارة هذه الحمامات على حساب صاحب المحطة المخالفة.
* الأهم من ذلك أن يتم التطبيق بأنظمة واضحة ومراقبة متتابعة وتطبيق صارم بعيدا عن الواسطة والمحسوبية.

إذا كان الأمل مفقودا في ملاك وإدارات محطات الوقود لتنفيذ مثل هذا المشروع وإذا كانت الجهات المسؤولة لا تملك الإرادة الكافية والجرأة لتطبيقه وتحسين صورتنا أمام القاصي والداني، فإني أقترح أن يتم تعيين مقاولين للقيام بذلك وتحميل تكاليفهم على محطات الوقود كرسوم سنوية تستوفى منهم مع رسوم الرخصة والبلدية.

إذا لم يصلح الأمر مع كل ذلك، والله المستعان، فأنا أدعو الجمعيات الخيرية للقيام بهذا المشروع، وفي نظري أنه أهم وأكثر أولوية من بناء المزيد من المساجد أو صيانة المساجد داخل المدن (وفي كلاهما خير)، أو قيام المستثمرين ببناء دورات مياه خاصة على الطرق السريعة (من فئة خمس نجوم) ويكون استخدامها برسوم (والشكوى لله).

ختاماً .. أدعو كبار المسؤولين في وزارة المواصلات وفي هيئة السياحة إلى السفر براً، واستخدام مرافق مراكز الخدمة المنتشرة على الطرق وخاصة دورات المياه للوقوف على حقيقة الوجه القبيح لطرقاتنا البرية .. إنها أمانة أنقلها إلى كاهل كل مسؤول .. اللهم قد بلغت . . اللهم فاشهد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي