الأزمة المالية وأهمية تخصص الإدارة العامة
أثبتت الأزمة المالية العالمية التي تعصف بأنظمة الاقتصادات الوطنية أهمية دور الحكومات في عملية ضبط حركة الاقتصاد وتنظيمه. والحقيقة أن هذا الأمر ليس جديدا فمنذ حدوث الكساد العظيم في أواخر العشرينيات من القرن الماضي شكل منعطفا كبيرا وتحولا في النظرية الاقتصادية الرأسمالية. لقد قدم كينز تعديلا كبيرا على نظرية الاقتصاد الرأسمالي بإظهار أهمية تدخل الحكومة عبر السياسات المالية والنقدية لضبط وتيرة الاقتصاد والحد من الآثار السلبية مثل التضخم والبطالة، وأكد أن عجز الموازنات العامة وهو عندما يكون الإنفاق أكثر من الإيرادات ليس أمرا سيئا في كل الأحوال، بل إنه قد يكون عاملا في تحفيز الاقتصاد أثناء الأزمات والركود الاقتصادي. لقد كان الفكر السائد الذي نادى به آدم سميث يقوم على أن آلية السوق كفيلة بالتوصل إلى توازن يرضي جميع الأطراف ويؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وأن تدخل أي طرف آخر بين المتعاملين في السوق يفسد عملية التبادل ويؤثر في قرارات الأفراد. لقد شبه انتظام السوق وكأن يدا خفية تديره وترعاه إلا أن هذه المرة كانت الأيادي الخفية تعبث بالنظام المالي وتعطل مقاصد حرية السوق وآليته. وقد يكون من الخطأ التعميم ونبذ النظام الرأسمالي برمته، إلا أن الحرية الاقتصادية ليست خالية من القصور خاصة عندما يكون هناك تأثيرات سلبية ناتجة من عملية التبادل بين الأطراف في السوق تتعدى للآخرين من ليس لهم علاقة بعملية البيع والشراء. بعض هذه السلبيات قد تكون واضحة مثل حالة التلوث البيئي الذي تسببه المصانع أو حالات الاحتكار التي يمارسها بعض المنتجين، ولكن هناك حالات خفية مثل التعاملات المالية البنكية فهي تقع في صميم الحرية الاقتصادية ومن الصعب ملاحظة الآثار الجانبية السلبية على الأفراد والمجتمع، وبالتالي كان أي تدخل حكومي ينظر إليه بعين الشك والريبة وعلى أنه تعقيدات بيروقراطية عقيمة تحد من نشاطات السوق وتعطل كفاءة السوق.
إن وظيفة الحكومة الأساسية في المجتمع هي حماية الناس من تعديات بعضهم على بعض بقصد أو دون قصد. هذا الأمر قد لا يروق لأولئك المتنفعين من حال الحرية غير المنضبطة أو بتعبير أدق الانفلات المالي خاصة في الاقتصادات الرأسمالية في أوروبا وأمريكا. هذه الأنظمة تتيح الفرصة لبعض الجشعين والطماعين لاستغلال هذا الانفتاح والحرية في تحقيق مكاسب سريعة آنية، وهو في واقع الأمر غش وتدليس حتى وإن كان تحت نظر النظام! إذ إنه لم يكن هناك تنظيمات حكومية تضع الحدود المقبولة وتحدد ما يصح وما لا يصح للإقراض والتعاملات المالية. لقد ساقهم الطمع والجشع للتفكير الضيق قصير المدى ولم يروا الصورة كاملة وتأثير ما يقومون به في المدى الطويل فانقلبت الأمور عليهم ووقعوا فيما لم يكن في حسبانهم. لقد أثبتت هذه الأزمة أن التدخل الحكومي أمر ضروري لتحقيق التوازن الاقتصادي بين الإنفاق والدخل وبين الادخار والاستثمار وكبح جماح ليس فقط التضخم والبطالة، ولكن أولئك الذين يبحثون عن الثغرات ومواطن الضعف في الحرية الاقتصادية يستغلونها لصالحهم مع علمهم بجلبها مفاسد تؤثر في المجتمع دون استثناء.
إن تزايد أهمية دور الحكومة في الاقتصاد يتطلب تطوير وتحسين أداء الأجهزة الحكومية، بل حتى النظم الإدارية تحتاج إلى إعادة هيكلة لكي تكون أكثر قدرة على صناعة القرارات وسن التشريعات بكفاءة وفاعلية. من هنا تظهر أهمية تخصص الإدارة العامة في مجال التعليم والتدريب والتطوير والدراسات والبحوث والاستشارات. ولذا كان من المستعرب أن تقلص أقسام الإدارة العامة في الجامعات بدلا من تطويرها ودعمها وتحويلها إلى كليات. لقد سيطر على الجميع ذات الفكر الذي قاد اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية إلى التهاوي في قاع سحيق سيتطلب الكثير من المال والجهد والوقت لانتشاله والعودة به كما سابق عهده. هناك من لا يرى أن تخصص الإدارة العامة ذا جدوى وهذا تصور خاطئ وخطير ينم عن الجهل بالتخصص وجسمه المعرفي والواقع الإداري الحكومي الذي يتطلب الإصلاح والتطوير. ولأنه كان هناك مستويات متدنية في بعض الأقسام فهذا يعود لشح الموارد وإخفاقات في عملية اختيار أعضاء هيئة التدريس والمنهج وطريقة التدريس إضافة إلى عدم الاستفادة من تلك الخبرات في الإسهام في صياغة السياسات العامة وتطوير النظم. إلا أن ذلك لا يعني إطلاقا عدم أهمية التخصص في التنمية الإدارية الحكومية.
قد يخفى على الكثيرين أن الفضل في تأسيس علم الإدارة يعود إلى دراسات الإدارة العامة التي تمت في بدايات القرن الماضي والتي أسست لمبادئ الإدارة وساهمت في بناء النظرية الإدارية. ويخطئ من يعتقد أن بمقدور إدارة الأعمال أن تحل محل الإدارة العامة لأن التنظيمات العامة وعملية صنع القرار وبيئة العمل تختلف تماما عن تلك التي في القطاع الخاص. لا يمكن القول إن تطبيق أساليب المنظمات الربحية في الأجهزة الحكومية سيؤدي إلى ذات النتيجة. هناك فروق واضحة وجلية يستلزم إدراكها وهي في جوهرها تتعلق بدوافع العمل التي تؤثر في السلوك والإنتاج في تلك المنظمات. هناك اختلاف كبير بين قطاع الأعمال والقطاع العام فالمنظمات العامة تواجه تحديات في بيئتها من أهمها أنه لا توجد أسعار تعكس الطلب والعرض وبالتالي لا يمكن تقييم وتقدير قيمة الخدمة الحكومية سوقيا. كما أنه لا يوجد منافسون يدفعون نحو تحسين وتطوير العمل. هذا إضافة إلى انتفاء حافز الربحية فلا أهداف ربحية يمكن قياسها والتعرف من خلالها على الإنجازات المحققة فعليا. كل ذلك يتطلب تهيئة إدارية تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين جناحي الإدارة العامة الاقتصاد والسياسية. يتضح هذا الخليط بين الاقتصاد والسياسة في عملية صنع القرار العام خاصة في المالية العامة وإعداد الموازنات أحد أبرز مجالات الإدارة العامة. المشكل الأساس هو في ضحالة الثقافة في الإدارة الحكومية وهو بطبيعة الحال متعلق بالتصور الضيق لدور الحكومة في المجتمع والفهم القاصر للعلاقة بين الجهاز الحكومي والمواطنين في أنها ذات اتجاه واحد توصف بعلاقة المانح والمتلقي وهي علاقة سلبية تعزز اللامبالاة لدى المواطنين والاتكالية والانسحاب التام دون مشاركة ومداخلة في عملية صنع القرار وتقويم الأداء الحكومي. وما يزيد من تعقيدات الوضع الإداري المركزية الشديدة في عملية صنع القرار وعدم منح الاستقلال المالي والإداري للمناطق والمحافظات وتعدد الوحدات الإدارية وتداخل مسؤولياتها وضبابية تسلسل السلطة وتعدد المرجعيات الإدارية.
إن التنمية الاقتصادية مرتبطة بقدرة الأجهزة الحكومية على تنفيذ السياسات العامة بكفاءة وفاعلية، وقد تفوت فرصا كثيرة نتيجة البطء في الأداء، على سبيل المثال الأزمة المالية وما جلبته من ركود اقتصادي قد يؤثر في تنفيذ بعض المشاريع الحكومية. إن القدرة التنافسية لأي اقتصاد مرهونة بقوة إنتاجيته وهذا لا يتأتى إلا من خلال قطاع عام قادر على تهيئة المناخ الاقتصادي وبنى تحتية وخدمات عامة. وهذا ما يجعل اقتصادا كاقتصاد الولايات المتحدة قادرا على الخروج من الأزمة والعودة، بفضل قوة قطاعه العام ومبادراته واستجابته للأحداث بسرعة وفاعلية وبالاتجاه الصحيح. فهلا حولنا أقسام الإدارة العامة لكليات بدلا من دسها على استحياء في جنبات كليات إدارة الأعمال؟!