رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من حقنا أن نفهم لكن من يجرؤ على التنبؤ؟ مع التحية لنجيب الزامل

[email protected]

هنا في صحيفة "الاقتصادية" وقبل نحو أسبوع كتب الكاتب المعروف نجيب الزامل مقالا أدبيا "من حقنا أن نفهم"، هاجم فيه الغموض الذي يلف هذه الأزمة المالية، خاصة على واقعنا الاقتصادي ومصيرنا ومؤسساتنا. وسأل الأسئلة الصعبة، ثم شحذ قلمه وصوبه باتجاه الكتاب الذين - بحسب تعبيره - "بنوا دراساتهم وتحليلاتهم، ورؤاهم على مصادر خارجية، ومعلومات ذاتية، واجتهاد ذهني، ولم يحصلوا على معلومات ركينة من مصدرها الرسمي، غير المتداول في النشرات الرسمية، رسميةٌ بذات اللغة المكتبية المعهودة المطمئنة. لذا فالناس لا يعرفون مَن يصدقون؟ فكيف بالله يمكنهم أن يفهموا ما يجري لمعاشهم وحاضرهم ومستقبلهم؟" انتهى.
أن يصدر مثل هذا العَتب من قارئ عابر للمقالة الاقتصادية فذلك أمر، وأن يصدر من كاتب كبير كنجيب الزامل فهي قضية تحتاج إلى وقفات ونقاش. بكل اللغات الحية كُتِب، وقرأنا جميعا، العديد والعديد من المقالات العربية عن هذه الأزمة الخطيرة. لكن الحقيقة الماثلة أمامنا أن جزءاً من هذه الأزمة العالمية قد لفه غموض إما مصطنع وإما أنه من طبيعتها الاقتصادية. من كان قبل شهر من الآن يعلم بالخسائر - على وجه اليقين وبالأرقام - التي تعرض لها بنك الخليج الكويتي ولنسأل في ذلك حتى محافظ البنك المركزي الكويتي؟ ومَن منا اليوم يعلم بأي خسارة قد تواجه أي بنك سعودي والبنوك السعودية تعلن عن متانة مراكزها المالية؟ مسألة الشفافية ليست بالأمر الهين والإفصاح ليس "كلام جرايد". عندما نتحدث عن صلابة النظام المصرفي في المملكة فإننا نستند إلى تصريحات جهات ذات مسؤولية على أننا نعلم أن عجز أحد المقترضين الكبار عن تغطية مركزه المالي أمر لا يمكن التنبؤ به - ذلك أن القروض والمعاملات بين البنوك وعملائها لا تظهر في ميزانياتها إلا على شكل إجماليات - فإن أثره في البنك المتورط معه سيكون كارثيا بلا شك وقد يقوده إلى خسائر فادحة. إن المخاطر التي تأتي من أخطاء النظام المصرفي تشبه إلى حد بعيد الكوارث النووية من حيث ضآلة احتمال حدوثها وضخامة نتائجها الكارثية إن هي حدثت.
إن بحثاً "علمياً" بسيطاً عن عملية محاسبية أو أسلوب مالي يتم استخراج بياناته من مصادرها الرسمية غير المتداولة - كما دعا إليها الأديب الزامل - قد يكلف سنة كاملة فقط لتحصل على البيانات - إن استطعت - وتستخرجها من سجلاتها السرية محاولا - وباستخدام أكثر الأساليب الإحصائية تطورا - فهم العلاقات وربطها بعضها ببعض وفق منهج عملي لتستنتج وتتنبأ بطريقة تقبل أن تُحاسب عنها، ولعلك تخرج منها بعد ذاك لا لك ولا عليك.
عندما صدر المعيار المحاسبي رقم 157 قبل أكثر من عام كان كالتاج تبخترت به القيمة العادلة كأفضل مفاهيم القياس المحاسبي، بعد أن خضعت لنقاشات علمية ساخنة على مدار عقود طويلة من التطور الفكري. من كان يعلم في ذلك الحين أنها ستتسبب في كل ذلك الأثر الخطير، وأن المعيار الذي توجها سيكون قبرها. إنه المستقبل ذلك المجهول.
حتى مع التصريحات الرسمية العالمية، فإنها تعتمد علـى بيانات وطنية‏ والأخطــاء الــصغيرة هنا ســتترتب عليهــا آثــار هائلــة هناك، ويمكــن أن تتــسبب في أخطــاء كــبرى في الإحصاءات الدولية. فقبل نحو ستة أشهر من الآن كان العالم يتحدث عن أسعار للبترول قد تتجاوز 300 دولار، واليوم تصارع دول الأوبك لوقف مسلسل الانهيار السريع، ومع هذا الانهيار هل علينا أن نعاتب أولئك الذين صرحوا بالعكس.
قبل أن تنهار سوق الأسهم السعودية كتب كتاب - هنا أيضا في "الاقتصادية" التي يعتب عليها الأديب الزامل - مقالات عن المقامرة في سوق الأسهم، وشدّد على خروج الصغار قبل الكارثة. كم منا اليوم يتذكر مقالاته الجريئة ذلك، لأنه لم يحدد بالضبط متى علينا أن نخرج وعند أي نقطة بالذات. في المقابل عاتب الجميع وبلا رحمة أولئك الذين استندوا في النظرية الاقتصادية البحتة وعلى حالة الاقتصاد السعودي النامي وأسعار البترول المتصاعدة والحالة التفاؤلية لمعظم المتداولين. لقد عاتبناهم لأنهم حددوا وبشكل دقيق ما لم يكن لهم أن يصرحوا به.
ليس من الصعب علينا ككتاب اقتصاديين أن نتحدث عن الأزمة وفق أدب تاريخي ونحللها من جذورها، ولماذا حدثت وكيف أخطأت الرأسمالية. سنتحدث بعمق وبإسهاب يطول الكتب عن أخطاء البنك الدولي منذ أن دخل في مشرع درع البيزو المشهور. كلنا بلا استثناء قد نخبركم عن الماضي حتى لو كان قريبا بالأمس أو بعيدا مخزونا في أرقام وميزانيات، ولم يكن ما عرضه الاقتصادي الدكتور أنس الحجي عن هذا ببعيد. لكن الحديث عن المستقبل أمر من يجرؤ عليه؟ إنه التنبؤ أيها المفكر الكبير أصعب وأخطر ما في العلوم الاقتصادية والمالية والإدارية على وجه العموم - بالرغم من كونه عملها الأساسي. إنه العلم بذاته، فهل لدينا علم من باب أولى ليس نحن كعرب ولكن كبشرية؟ ولعلي أقتبس كلمات من العالم الاقتصادي جالبريث وهو يقول"لو كانت المعرفة الاقتصادية صحيحة فإن النظام الاقتصادي كما يوجد الآن في العالم غير الاشتراكي لم يكن ليبقى على قيد الحياة. لو كان باستطاعة أي شخص أن يعرف بدقة ويقين ماذا سيحدث للأجور وأسعار الأسهم والفائدة وأسعار السلع وأداء المنشآت، فإن ذلك الشخص الذي يواتيه كل هذا الحظ لم يكن ليعطي معلوماته أو يبيعها للآخرين بل لاستخدامها لنفسه بدلا من ذلك". ويقول "في عالم من عدم اليقين فإن احتكار ما هو يقين لا بد أن يعود على صاحبه بأكبر قدر من المكاسب على أنه سوف يستسلم كل من ينازعه تلك المعرفة" انتهى. وهنا أتذكر جواهر لآل نهرو رئيس وزراء الهند السابق عندما سئل عن تصريحه الشهير إبان أزمة الصواريخ الكوبية وتنبئه بأن الحرب لن تقوم، أجاب: بأنه لو قامت الحرب فلن يبقى أحد ليحاسبه عن خطئه ذاك. وللأسف أقول إن قدرتنا على التنبؤ بأحوال الاقتصاد ليست كشجاعتنا للتصريح به، لأنه عندما نخطئ سيبقى الكثير ليحاسبونا على ذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي