(زحمتستان) وصالح التعبان!
عنوان هذا المقال ملطوش لطشاً حرفياً من عنوان المجموعة القصصية التي صدرت عام 2007م عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء من تأليف كاظم الشبيب, ورغم أن نصوص المجموعة القصصية المذكورة اعتمدت على الخيال العلمي الواسع المنطلق من الإنجازات العلمية العالمية, وعدم علاقة تلك الإنجازات بما أود التحدث عنه اليوم, إلا أنني مصر على لطش العنوان لسببين, أولهما أنه معبر بشكل صارخ في معناه عن التجربة اليومية الصباحية التي يعيشها الكثير من الناس في طرقات مدننا, والثاني هو موسيقية المفردة نفسها والتي تتميز بحدة مشابهة لحدة مزاج أحدنا وهو يصارع زحمة الرياض صباحاً.
يعتقد كثير من الناس أن ضرر الزحام اليومي في طرقاتنا يتوقف عند تأخرهم عن مواعيد عملهم أو مواعيدهم الشخصية وهذا في رأيي خطأ فادح, فأضرار هذا الشيء الممل والمزعج أكبر وأكثر من أن تحصى وهي تتداخل مع بعضها مشكلة جيشاً كاملاً يمكن أن نطلق عليه مجازاً (قوات الاحتلال الزحامية), ولعل ما يؤكد ذلك هو قول أحدنا مثلاً: متى (تتحرر) شوارعنا من الزحمة؟! في إشارة إلى أن نهاية فترة الزحام مشابهة لعملية (التحرير)!
أرجو ألا تتصور عزيزي القاريء أن حديثي أعلاه مجرد مزحة, فالمشكلة خطيرة جداً وتترتب عليها مئات المشكلات ولنتخيل أن مواطناً صالحاً اسمه (السيد صالح التعبان) خرج من منزله صباحاً مودعاً زوجته وأطفاله ومتجهاً إلى عمله الذي بالكاد يسد دخله الشهري قوت هذه العائلة, وأخذ صاحبنا يخترق الشوارع تلو الأخرى بسرعة للوصول لعمله في الوقت المحدد نظراً لأنه حصل على إنذارين خلال هذا الشهر لتأخره عن مواعيد العمل بسبب الزحام, إضافة إلى كون مديره رجلا صارما وقد هدده أكثر من مرّة بطرده شر طرده إن واصل استهتاره بمواعيد الحضور والانصراف, وبينما صاحبنا (صالح التعبان) على هذه الحال وقع فجأة في زحام بين مئات السيارات في أحد الشوارع الرئيسة قليلة المخارج.. توتر قليلاً .. ثم توتر أكثر, ثم انفجر في وجه صاحب السيارة التي خلف سيارته لاحتكاك حدث بين السيارتين, الرجل الآخر لم يصمت.. تشابك معه بالأيدي لتتدخل جموع من الناس للتفريق بينهما وليمضي كل واحد منهما إلى عمله موزعاً اللعنات كل كل شيء.
بعد ساعة من الحادثة وصل صاحبنا (التعبان) إلى عمله.. قال له المراسل أن المدير سحب سجل توقيع الحضور, توجه إلى مكتب المدير محاولاً تعديل هندامه الذي عبث به الاشتباك الصباحي, لكنه واجه سيلاً من اللوم والاتهام بالاستهتار والتلميح بأنه رجل غير سوي اعتماداً على مظهر هندامه.. لم يستطع السيطرة على أعصابه.. فجأة وجد يده تمتد إلى (الدباسة) ليفتح بها رأس المدير ويتناثر الدم على ثوبه.. خرج بعدها مهرولاً إلى سيارته دون شعور!
في الطريق إلى البيت أخذ يفكر في الوظيفة التي فقدها وفي قوت أولاده وفي العقوبة القانونية التي تنتظره جراء الجريمة التي ارتكبها, أسودت الدنيا في عينيه.. واصل مسيره إلى البيت وهناك استقبلته زوجته بصرخة أفزعت كل من في المنزل بعد أن شاهدت منظره المفزع, هدأ من روعها, وأخبرها بما حدث.. لامته و وصفته بعدم الاحساس بالمسؤولية وتطور النقاش حتى انتهى بتطليقها, وبعد ساعات طرقت الشرطة باب منزله والتقطته ليلاقي عقوبته, وبهذا يا سادة ياكرام انتهى اليوم الذي بدأ بالزحام, وانتهت معه حكاية مواطن اسمه (السيد صالح التعبان) الذي وصفه أكثر من شخص شاهده أخيراً بأنه لم يعد صالحاً كما كان!