حقيقة الأزمة المالية
من المعروف أن رأس المال هو الفرق بين قيمة الأصول وقيمة الخصوم، أو بعبارة أخرى هو الفرق بين قيمة كل ما تملكه المؤسسات وكل الالتزامات التي عليها. وينخفض رأس المال كلما انخفضت قيمة الموجودات أو ارتفعت قيمة الالتزامات. وتحتاج كل المؤسسات (أو الشركات) إلى رأس المال للقيام والاستمرار في مهامها. وتعتمد المصارف بدرجة أكبر من غيرها على التقلبات في قيم رأس المال وذلك لتيسير أنشطتها واستمرار عملها في الأسواق.
وتحتاج المصارف إلى موارد مالية لتقوم بتقديم الائتمان إلى عملائها. وتحقق إيراداتها بدرجة رئيسية من خلال أنشطة الإقراض التي تقوم بها. وتبدأ المصارف أعمالها بإقراض بعض رأس المال المتوافر لديها وتتوسع مع مرور الوقت في عمليات الإقراض وجذب إيداعات العملاء. وتستغل المصارف الجزء الأكبر من إيداعات العملاء في أنشطة الإقراض ولتعظيم أرباحها تتوجه إلى مصادر الإقراض الأخرى للحصول على موارد إضافية ومنح المزيد من الائتمان. وتقترض المصارف من بعضها البعض ومن الأسواق بمعدلات فائدة تفضيلية ثم تضيف بعض الربح على تكاليف هذا الإقراض وتقرضه لعملائها من المؤسسات والأفراد. وعلى المصارف المقترضة إقناع الأسواق بأنها قادرة على دفع ما عليها من الالتزامات لكي تستمر في الاقتراض وتتمكن من ممارسة أنشطتها. ولكسب ثقة الأسواق عليها المحافظة على وجود رأسمال قوي ومصداقية في بياناتها. وتمثل رساميل المصارف واحتياطياتها إثباتات وضمانات لهذه الأسواق بأن المصارف قادرة على السداد في حالة عدم قدرتها على تحصيل بعض القروض المقدمة لبعض عملائها.
وإذا انخفض رأسمال أي مصرف لأي سبب من الأسباب يتوقف بعض المقرضين عن الاستمرار في تقديم القروض الحالية للمصرف لانخفاض مستوى تأكدهم من قدرة المصرف على دفع التزاماته. وما لم يرفع المصرف رأس ماله فإنه يجب عليه تقليص مستويات الائتمان التي يقدمها. وعندما ينخفض رأس المال المصرف ويصل إلى مستويات متدنية يتوقف معظم مقرضي المصرف عن توفير المزيد من ائتمان للمصرف، وهذا يقود إلى تقليص كبير في مستويات أنشطة المصرف وانخفاض دخله. وإذا انخفض دخل المصرف إلى مستويات لا تمكنه من مواجهة التزاماته اليومية تهاوى المصرف وأشهر إفلاسه. وكلما كبر حجم المصرف وتعددت المصارف التي تعاني من ضائقة السيولة كلما ارتفعت مصاعب توفير السيولة للمستهلكين والمنتجين في الاقتصاد ككل وأدى إلى ازدياد مخاوف انهيار النظام المالي بأكمله. وإذا ما استفحلت أزمة توفير السيولة الناتجة أساسا عن تلاشي رأس المال، أثرت في مستويات الأنشطة الاقتصادية الحقيقية وانخفضت الدخول وارتفعت البطالة ودخل الاقتصاد في ركود اقتصادي. ثم إذا تعاظمت الأزمة المالية تحول الركود إلى كساد اقتصادي. ويقود الركود والكساد إلى ازدياد مستويات الفقر وإفلاس وانهيار الأنظمة الاجتماعية وتهديد الأمن الاجتماعي. وقد يؤدي استمرار الكساد لفترات زمنية طويلة إلى الحروب وتفتت أو زوال الكيانات السياسية.
والذي ورد هو وصف لما حصل في الأزمة المالية العالمية. فقد انخفضت رساميل بعض المصارف بسبب انخفاض ممتلكات المصارف التي تأثرت سلباً بانخفاض الأصول الملوثة بالرهن العقاري الأمريكي والمشتقات المرتبطة به. وقد زاد الأمر سوءا ارتياب الأسواق بتقديرات المصارف الذاتية لقيمة أصولها. وقد أدى فقد الثقة بنوعية رساميل المصارف إلى إخافة المقرضين والمودعين ورفعت مخاطر تقديم الائتمان والإيداع في المصارف المنخفضة رساميلها. وعندما بدأت تتراجع رساميل تلك المصارف سحب جزء كبير من المودعين أرصدتهم واستثماراتهم وتفاقمت أزمة المصارف المهددة. وقد أدى هذا إلى توقف الإقراض لكثير من المصارف. ووجد عدد من المؤسسات المالية نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها اليومية. وأدى تآكل الرساميل إلى تلاشي السيولة لكثير من المؤسسات المصرفية والتي قادت إلى تلاشي السيولة في الأسواق. وفي النهاية اضطرت المصارف المهددة إلى البحث عن منقذين لها في كل مكان. وفي حالة عدم وجود منقذين لها اضطر العديد منها إلى إشهار إفلاسها.
ومع أن من السهل فهم الأزمة المالية العالمية، أخطأ كثير من الناس وخصوصاً صناع القرارات في فهم ألازمة المالية العالمية على حقيقتها. وأعتقد العديد منهم أنها مجرد أزمة سيولة، ولهذا سارعت المصارف المركزية إلى توفير سيولة كبيرة اختفت بسرعة وعادت بعدها الأسواق المالية للاضطراب. وليس من المعلوم سبب عدم إدراك العوامل الحقيقية للأزمة وهل هذا مرتبط بالغرور العلمي أو بدوافع سياسية وأيديولوجية معينة. وأدرك أخيراً العديد من صناع القرارات حول العالم أن الأزمة المالية في الحقيقة هي أزمة رأسمال وليست أزمة سيولة، ولكن مع الأسف كان هناك قصور في إدراك معنى ذلك. ولو فهموا حقيقة الأزمة لتم التخلي عن شراء أسهم المصارف وركزوا على التخلص من الأصول الملوثة الموجودة في موجودات المصارف والمؤسسات المالية الأخرى.