الموسيقى والطب البديل!
يلومني بعض الأشخاص الذين أوقعهم حظهم العاثر في صداقتي كلما بدأ صوت هاتفي الجوال في عزف موسيقاه التي اخترتها كنغمة للمكالمات الواردة, وسبب اللوم ليس بشاعة تلك النغمة والعياذ بالله, وإنما لكونها وحسب شروحاتهم وتفسيراتهم التي لا تنتهي "غير لائقة", فهم يرون أن من كمال الاحترام أن يختار الرجل نغمة لجواله لاعلاقة لها بالموسيقى, مع أنهم لايجدون حرجاً في استخدام نغمات مزعجة وموترة كصوت جرس الباب أو سيارة الإسعاف أو صوت ارتطام مفاتيح بأرضية من السيراميك!
ولا أخفيكم أنني أضطر أحياناً إلى مجاراتهم وأختار نغمة من أكثر الأصوات إزعاجاً في سبيل إرضائهم, لكنني سرعان ما أنقلب على عقبي بمجرد تخلصي منهم, فنظرتي للموسيقى تختلف كلياً عن نظرتهم, وهي ليست مسألة ذوقية كما يظن البعض وإنما لإيماني التام بالفوائد الصحية للموسيقى, وهي فوائد كثيرة لا أجد غالباً وقتاً كافياً لإيضاحها خلال فترات التقائي بأولئك المزعجين, مما جعلني أفكر في تخصيص مقال اليوم لها, علهم يكفون عن إزعاجي في كل لقاء كئيب يجمعني بهم!
ففي دراسة أجرتها مجموعة من الأطباء في جامعة (ستانفورد) الأمريكية أثبتت الموسيقى الهادئة قدرتها على تحسين قدرات التعلم والذاكرة عند الإنسان، كما توصلت إلى أن الانسان لا يحتاج الى الأدوية والعقاقير فحسب لمعالجة آلامه وأوجاعه، بل يمكنه ان يُشفى بطرق أخرى أكثر نجاعة ومن تلك الطرق الاستماع إلى الموسيقى التي خلصت الدراسة إلى أنها وسيلة ناجعة فى مداواة المريض وشفائه من أمراضه، بل وحتى التخفيف من الهموم والتوترات التي فرضها نسق الحياة العصرية.
ونشرت أكاديمية نيويورك للعلوم أخيراً أحدث دراسات علاقة المخ بالموسيقي, وظهرت منها فائدة الموسيقي للصحة والمناعة والذاكرة والتعلم, حتي أن الاستماع للموسيقي الكلاسيكية يرفع درجة اختبارات المعرفة!
ومن المعروف أن الموسيقى دخلت خلال السنوات الماضية ضمن برامج العلاج والتأهيل في العديد من مستشفيات الأطفال, ومراكز علاج السرطان في أكثر دول العالم تقدماً في المجال الطبي.
ولأن الكثير من أصدقائي شفاهم الله وعافاهم مصابون بعقدة المؤامرة من كل ماهو غربي, وأفضلهم من سيدعي أن هذه النتائج ليست إلا مؤامرة على الأمة العربية لتخديرها بالأنغام الجميلة, لابد أن أذكر أن العالم العربي أبو بكر الرازي الذي توفي قبل ألف سنة توصل إلى اكتشاف فوائد الموسيقى, إذ لاحظ كما تشير الكثير من المصادر إلى أن بعض المرضى المصابين بأمراض تتميز بآلامها المبرحة, ينسون هذه الآلام ويشملهم الهدوء والسكون لدى سماعهم للألحان الشجية, والنغمات المطربة, فأدرك أن الموسيقى لا بد أن يكون لها أثر في تخفيف الآلام, وفي شفاء بعض الأمراض, مما دعاه إلى إجراء عدد من التجارب التي جزم بعدها بأن الموسيقى الجميلة لها أثر حاسم في شفاء بعض الأمراض, وصار يعتمد عليها بوصفها أسلوباً من أساليب العلاج الطبي, وهو الأسلوب الذي نسميه في عصرنا الحاضر (الطب البديل)!