هل فوجئ أعضاء المجالس البلدية بالنظام ؟!
[email protected]
كنت قد تناولت في الأسبوع الماضي، ظاهرة استقالات بعض أعضاء المجالس البلدية أو التلويح بها وأرجعت ذلك إلى الافتقار لمهارات العمل النيابي والذي في جوهره يعتمد على قدرة التفاوض والنقاش وإبداء وجهة النظر والبحث عن بدائل تجذب القرار لمصلحتهم والتوصل إلى صيغ توافقية. البعض لم يسغهم هذا التبرير وذهبوا يحملون ضآلة الصلاحيات في نظام البلديات وحدها هذا الإحباط والعجز الذي أصاب أعضاء المجالس البلدية. ومع أنه لا أحد ينكر أن ضعف صلاحيات المجالس البلدية لا ينسجم مع الدور المطلوب للإدارة الشاملة للمجتمعات المحلية أو حتى القطاع البلدي في المدن، إلا أن الجميع وخاصة أعضاء المجالس الذين رشحوا أنفسهم يفترض أنهم على دراية وعلم مسبق بمحدودية الصلاحيات، ولو كان لديهم اعتراض على ذلك لكان من الأجدر عدم ترشيح أنفسهم ابتداء. ولأنه تم انتخابهم بناء على نظام قائم ارتضوه ووافقوا عليه بترشحهم على الرغم من قصوره، فلزمهم أن يعملوا ما بوسعهم في دائرته الصغيرة وفي حدوده الضيقة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
يبدو أن البعض وهم كثر لم يفهموا حقيقة نظام المجالس البلدية وانتخاباتها واستهواهم العنوان الكبير دون قراءة متأنية لتفاصيل مواده والصلاحيات التي يمنحها والدور المتوقع للمجالس. لقد هناك كثير من الدوافع التي شجعت البعض على الترشح وخوض غمار التجربة ولكن قد تكون التحزبات القبلية والفكرية الأكثر بروزا وتأثيرا. وعندما نقول فكرية لا يقصد بذلك المعنى الاقتصاد السياسي الذي يحدد الرؤية المستقبلية للعمل الحكومي وفلسفة إدارة المجتمع المحلي، ولكن الفكر المنغلق على ذاته والتبعية العمياء من اتباعه للحفاظ على عضوية في تجمع حركي دون مشروع تنموي تطويري تنويري عملي وواقعي. الجميع يذكر أن عملية الانتخابات اختطفت من مسارها الصحيح وأدلجت وحملت أكثر مما تحتمل وتحولت لدى البعض إلى صراع فكري بلغ تصويره على أنه نزاع بين الخير والشر! هكذا استغلت الانتخابات البلدية في تنافس آيدولوجي بين عدة أطراف دون أن يكون لذلك صله بالعمل البلدي! لقد كانت هناك تزكية لقوائم مرشحين على أساس انتماءات وولاءات أكثر منها في كثير من الأحيان للكفاءة والدراية والعلم والمعرفة، والنتيجة هي ما نراه من أزمة في العجز التام من البعض عن تحقيق شيء على الأرض حتى ولو بمقدار الصلاحيات الضيقة!
الحديث في مقالي السابق ليس عن نظام البلديات ولكن عن أولئك الذين زعموا أن باستطاعتهم التصدي للعمل العام وتحمل مسؤوليته وهم لا يملكون القدرات الفكرية والتفاوضية ومهارات الاتصال والإقناع والإمكانات والمؤهلات التي تمكنهم من الإسهام في تطوير عمل المجلس وتوسيع دائرة نفوذه واستخدام الصلاحيات المتاحة وإن كانت ضئيلة وضيقة إلى أبعد حد ممكن ما يكفل تأديتهم لمسؤولياتهم على أكمل وجه ضمن تلك الدائرة الضيقة. كثيرون من أعضاء المجالس يجهلون حقيقة السياسة وطبيعة العمل السياسي ومتطلباته وظنوا أن السياسة تعني فن المستحيل وليس الممكن! وهكذا توقفوا عن العمل ولم يمعنوا البحث عن الطرق والوسائل التي تعظم النفوذ وتحصد التأثير الأكبر وتحقق المردود الأعلى وتعظم الإنجاز. أثناء الانتخابات كانت هناك كثير من الوعود الكبيرة التي تبعث للسخرية لأنها مجرد أمنيات وشعارات ليس لها أساس في أرض الواقع. كما الوعود التي طرحت للتصدي لقضايا لا تدخل ضمن اختصاصات المجالس البلدية! مثل الإسكان والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وحتى العنوسة! بل إن طريقة الإعلان عن الحملة الانتخابية كانت مثار الاستغراب والتعجب والدهشة ولا يملك المرء حيالها إلا أن يفتح عينيه للآخر ليستوعب ما يجري ويتحقق أن ما يراه حقيقة وليس من نسج الخيال! فمن يصدق تلك الولائم وجلسات الشعراء والحكاوى وأحاديث السمر في تلك المخيمات الكبيرة التي لا تمت للسياسة لا من قريب ولا من بعيد سوى أنها تمتع الحضور وتجذبهم للتسلية. لم يكن هناك في معظمها عرض للبرنامج الانتخابي ونقاشات حول الرؤية المستقبلية والاستراتيجيات والسياسات التي ستطبق في ظل ما يسمح به النظام وكيفية التغلب على العوائق البيروقراطية وتطوير العمل البلدي وأولوياته والبحث عن سبل جديدة للتمويل المحلي وتشجيع العمل التطوعي وإشراك القطاع الخاص والمدني في التنمية المحلية وتثقيف العموم بدورهم في عملية صنع القرار.
يقول المثل الشعبي " من كبر الحصاة ما طق" ويقصد به أن من يضع أهدافا تعجيزية، مستحيلة، غير واقعية لا ينجز. وهذا ما حدث بالفعل لكثير من أعضاء المجالس البلدية عندما لم يدركوا حجم الهوة بين طموحاتهم وتطلعات ناخبيهم وحقيقة الدور الصغير الذي أنيط بالمجالس. لا شك انه وضع حرج ومحرج لأعضاء المجالس البلدية في أنهم لم يستطيعوا الوفاء بما قطعوه من وعود كبيرة وتصريحات رنانة! وأمام هذه الضغوط الكبيرة من جميع المستويات - وصلت حد التندر والتهكم - ومع فوات الوقت لعمل شيء يدفع عنهم الحرج وجدوا في الاستقالات ضالتهم ومخرجا من أزمتهم بإلقاء التهمة على النظام وتبرير عجزهم بضيق الصلاحيات. لقد أصبحت الأمور أكثر وضوحا وبدت الدوافع التي جاءت ببعض أعضاء المجالس انتكاسة حقيقية للعمل البلدي وقد يكون هذا بقصد أو دون قصد، إلا أن ما يستفاد من التجربة أن يعي عموم الناس أن اختيارهم لمن ينوب عنهم في المجالس يجب أن يكون على أساس الكفاءة والمؤهل وليس على أساس آيدولوجي أو انتماء قبلي فقط!
إن المجالس البلدية وانتخاباتها كفكرة وإجراء بغض النظر عن النتائج أتاحت الفرصة لخوض التجربة الانتخابية وأضافت لقاموسنا السياسي مصطلحات ومفاهيم كانت غائبة أو مغيبة ردحا من الزمان مثل المشاركة في صناعة القرار والشفافية والتنمية المحلية والرؤية المستقبلية للمدينة. كما أن إقرار المجالس البلدية وتنظيم عملية الانتخاب بنجاح وتميز من قبل كفاءات وطنية هو إنجاز للمجتمع السعودي وإعلان عن حالة التحضر واستيعاب هذا النموذج الجديد في عملية المشاركة الشعبية في اختيار الناس نوابهم في عملية صنع القرارات العامة. إن تجربة المجالس البلدية وعلى الرغم من السلبيات والعوائق والتحديات والقصور التي تعترضها إلا أنها تظل تجربة جديدة تستحق الإشادة والدعم والمؤازرة والتطوير. المجالس البلدية أمر ضروري وحاسم وخيار استراتيجي وليست ترفا سياسيا فهي تتعلق بقضايا جد مهمة مثل الضبط الاجتماعي وتحصين المجتمع وزيادة ترابطه وتعزيز الانتماء وتحمل المسؤولية الاجتماعية. لكن لا بد من الاعتراف بأنه مازال الطريق طويلا وشاقا للوصول لحالة من النضج السياسي وثقافة العمل العام. من هنا يكون من الضروري في الدورات القادمة إلزام جميع المرشحين بالمشاركة في دورات تدريبية تنمي مهارات التفاوض والاتصال والتخطيط وقراءة الموازنات والدراية القانونية وصياغة التشريعات. وقد يكون مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية الجهة المناسبة لتنظيم مثل هذه الدورات.
إن ما يلفت النظر في مواضيع الاستقالات من المجالس البلدية الخلط بين السلطات التشريعية والسلطات التنفيذية، وإذا كان المجلس البلدي مجلسا تشريعيا أو على اقل تقدير استشاريا فإنه بكل تأكيد ليس تنفيذيا وهذا يعني أن دوره هو صياغة التشريعات وسن القوانين أو التوصية والاقتراح والإقرار، وأما مهمة التنفيذ فتوكل لجهاز البلدية أو الأجهزة الحكومية المعنية باختصاصات أخرى. على سبيل المثال الاعتراض الذي أبدي على مناشط وفعاليات العيد في العاصمة الرياض وادعاء أن هناك تجاوزات غير شرعية هي من اختصاص هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأجهزة الأمنية وليس المجلس البلدي! لا نستطيع أن نقرر بالاستثناء ونحرم الأكثرية بسبب أقلية آثرت الخروج عن النظام العام، وبالتالي نتبع سياسة المنع والرفض والاستقالة من المجلس من أجل أمر يقع خارج حدود صلاحياته ومسؤولياته، وهنا يأتي السؤال: هل فوجئ الأعضاء بالنظام؟! وبشكل أدق: هل قرئ النظام واستوعبت مواده قبل الترشح؟!