معدلات الزيادة في السكان .. رؤية علمية !

لا شك أن الأزمات التي تعرض لها العالم في عامي 2007 و2008، وبالذات أزمة الطاقة والغذاء والمياه، ثم كارثة تصدع النظام المالي العالمي تستوجب من كل دول العالم أن تعيد النظر في سياساتها السكانية ومشاريعها الإسكانية.
وفي المملكة العربية السعودية تشغلنا بالطبع كل هذه الأزمات لأن المملكة جزء من كل في هذا العالم الذي أصبح كله جيران، وتشغلنا بالطبع أزمة السكان التي يتوقع الخبراء والعلماء بأنها ستنفجر في بحر عشر سنوات من الآن.
ولذلك فإن الناس يختلفون في نظرتهم إلى هذه المشكلة، فالبيروقراطيون يجمعون على أن المعدلات السنوية للزيادة في عدد السكان كثيرة وتؤثر سلباً في معدلات النمو، بل يؤكدون أنها ستقود إلى أزمة في الغذاء قريباً. ولكن ما نود أن نؤكده أن الدول تختلف في معالجتها لمعدلات النمو في السكان، فدولة كالصين بلغت مليارا ونصف المليار أو الهند التي اقتربت من المليار بني آدم لا يمكن أن تبني هاتان الدولتان سياستيهما على أساس الزيادة في معدلات السكان، أما دولاً مثل النرويج والسويد والدانمرك التي جفت الخصوبة في نسـائهن إلى درجة أنها تهدد إمكانية استمرار الحياة في هذه الدول، أو دولاً مثل فلسطين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، فإن هذه الدول أحوج ما تكون إلى زيادة معدلات عدد السكان لأسباب سياسية وأمنية، أما الدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطالياً، فإنها ربما تحتاج إلى إعادة النظر في سياستها السكانية، بمعنى إذا كان معدل الزيادة في عدد السكان يتناسب مع الزيادة في معدلات الناتج القومي فإنها لا تحتاج إلى رفع معدلات الزيادة في عدد السكان بل العكس تحتاج إلى خفض معدلات السكان.
أما نحن في المملكة العربية السعودية، فإننا نختلف فيما بيننا حيال مسألة الزيادة في معدلات السكان، فبينما مسؤولون حكوميون يقولون بضرورة خفض معدلات الزيادة السنوية في السكان لأنها تتجاوز 3 في المائة، فإن أكاديميين يقولون إن المملكة في أمس الحاجة إلى الزيادة في معدلات السكان حتى تتناسب مع الزيادة في معدلات نمو الناتج القومي المحلي، ويضيف أصحاب الرأي القائل بالزيادة إن المساحة الجغرافية للمملكة تصل إلى أكثر من مليوني متر مربع، وهذه المساحة الشاسعة تتطلب المزيد من السكان، بل تتناسب أكثر مع الموارد الطبيعية والمالية التي تتوافر للمملكة بحمد الله ونعمته، ولذلك نؤكد أن زيادة عدد السكان ليس شراً كله، بل إن زيادة عدد السكان قد يأتي معها الخير والثراء .. هكذا اليابان وماليزيا وكوريا، ولكن المهم هو إفراز شعب يتمتع بالعديد من المواهب وترتفع فيه الإنتاجية إلى الأعلى.
وإذا كانت الثروات تثير أطماع الدول نحو بعضها بعضا، فإننا لا نستغرب المقال الذي نشره أخيرا هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، الذي استكثر فيه على دولة الإمارات ثروتها البترولية، وقس على ذلك جائحة الاستعمار الغربي التي اجتاحت دول العالم الثالث منذ القرن الثامن عشر الميلادي على أساس أطماع الدول الكبرى في ثروات وخيرات الدول النامية.
ما أريد أن أوضحه هنا أن المملكة في أمس الحاجة إلى تصميم سياسة سكانية تستهدف زيادة معدلات السكان لتحافظ على أمنها الغذائي والوطني، وفي مقالة سابقة تناولت هذا الموضوع ووصلت إلى نتيجة مفادها أن المملكة يجب أن تكون ضمن الدول التي تنتهج سياسة تزيد من المعدلات السنوية للسكان.
الجميل في الموضوع أنني تلقيت دعماً لافتاً من المحبذين لفكرة زيادة عدد السكان وفي مقدمة من اتصل بي الزميل الأستاذ حمد العنقري مدير عام مكتب وزير الزراعة الأسبق، ويبدو أن المواطن السعودي بدأ يشعر بصغر حجمه وهو يعيش في قارة جغرافية تنعم في خيرات طبيعية زاخرة، ولكن نتيجة النقص الكبير في عدد السكان فقد تدفقت إليه من الخارج الملايين من البشر تبحث عن أشغال ووظائف وأعمال.
ولذلك نحن ننادي بضرورة تصميم سياسة سكانية واعية هدفها زيادة عدد السكان ولكن بمستوى عالٍ من التدريب والتعليم والكفاءة، بمعنى يجب إقرار سياسة تعليمية وتدريبية تفرز مواطناً بمهارة عالية لكل الأعمال والتخصصات المُتاحة حتى يستطيع أن يسهم بإيجابية في الإبداع والابتكار والتنمية الشاملة. بمعنى أن زيادة عـدد السكـان يجب ألا تكون لمجرد الزيادة في السكان، بل الزيادة في السكان يجب أن تكون للتنمية والبناء ودفع البلد لكي تكون في مصاف الدول المتقدمة، أما الزيادة في السكان مع تعليم قاصر وتدريب عاطل، فإن هذه الزيادة ستدفع بالبلد إلى مصاف الدول المتخلفة، وكلنا واثقون بأن الإنسان السعودي إذا وجد مناخ التدريب مُتاحاً، فإنه الأقدر على الاستفادة منه وطموحاته تؤهله لكي يكون واحداً من الماهرين في التخصص الذي يختاره, الذي يمكنه من المساهمة في البناء والنهوض، ويجب أن تغطي قماشة التخصص كل الوظائف والأعمال التي تتطلبها برامج ومشاريع التنمية.
ولعله من المفيد أن نتصفح الكتاب الذي طرحه أخيرا سير روى كالن بعنوان "عالم يفيض بسكانه" إن سير كالن يحذر من زيادة عدد السكان، وقال إن استمرار الزيادة سيضع العالم أمام مشكلة لا حل لها، وهي مشكلة العجز في الغذاء، ويبدو أن كلام كالن يؤكد أن المشكلة تكمن في الاختلال بين معدلات الزيادة في السكان ومعدلات نمو الناتج القومي، وتكمن أكثر في أن الدول لم تفصل سياساتها السكانية على ظروفها وإمكاناتها، ونحب أن نؤكد أن الأسباب التي أدت إلى نقص الغذاء ليست بسبب الزيادة في عدد السكان، وإنما بسبب توجيه كمية كبيرة من المحاصيل الزراعية في استخراج طاقة بديلة للبترول، ما أدى إلى انخفاض المعروض من السلع الزراعية في الأسواق العالمية، وعند هذه النقطة أود أن ألفت النظر إلى مشكلة في السياسة السكانية بدأت تعانيها أوروبا وبالذات دول أوروبا الاسكندنافية التي انتهجت في الـ 50 عاما الماضية سياسة سكانية كانت تهدف إلى خفض معدلات الزيادة في السكان عن طريق استخدام الأدوية المخفضة للخصوبة، ولكن ما حدث هو أن بعض دول أوروبا تعاني اليوم نقصا كبيرا في عدد السكان، بل إن بعض الدول بدأت تعاني غياب القوى العاملة لديها حيث إن الشريحة الكبرى من السكان, أصبحت من كبار السن، بل بعضها يعاني الانقراض بسبب سياسة تجفيف الخصوبة التي أصابت السيدات بالعقم على نطاق واسع.
طبعاً كان سهلاً على هذه الدول أن تخفض معدلات السكان قبل نصف قرن، ولكنها اليوم لا تستطيع أن تنتهج سياسة زيادة معدلات السكان، فقد انخفضت معدلات الخصوبة لدى نسائها إلى درجة الإصابة بالعقم، ولذلك فإن هذه الدول تنحي اليوم باللائمة على سياساتها الغبية التي اتخذتها لخفض معدلات السكان مع غياب الوعي بصعوبة العودة إلى زيادتها.
وما دمنا نتحدث عن المشكلة السكانية، فإن الأمم المتحدة عقدت مؤتمراً في عام 1984 تحت عنوان "خطة العمل العالمية للسكان"، وجاء في توصيات المؤتمر أنه من المهم جداً للمجتمع الدولي أن يعمل دون توقف لتعزيز السلم والأمن ونزع السلاح والتعاون بين الدول، الأمر الذي لا غنى عنه لتحقيق أهداف سياسات سكانية إنسانية .. تزيد من معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المؤدية إلى السلم والأمن الحقيقيين، إنه يجب تخصيص الموارد للبرامج الاجتماعية والاقتصادية بدلاً من البرامج العسكرية, ما يساعد - إلى حد كبير - على تحقيق أهداف وغايات خطة العمل العالمية للسكان.
ولابد أن نذكر أنه قبل نشأة الإنسان كانت تغطي سطح الأرض تربة خصبة في كثير من المناطق تكسوها أشجار مثمرة، وكانت قشرة الأرض تحوي عروق الفحم وحقول البترول والإرسابات المعدنية المختلفة، وكانت الشمس ترسل أشعتها تحمل الحياة، وكانت السحب تتجمع في السماء والرياح تباشر نشاطها وتسقط الأمطار هنا وهناك، وكانت النساء يتمتعن بخصوبة عالية جداً، وكان الجميع يتمنى الزيادة في عدد السكان، ولكن الزمان لم يعد ذلك الزمان .. حتى المكان لم يعد ذلك المكان، فالأوضاع انقلبت على أعقابها، وطبعاً دوام الحال من المحال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي