الآثار غير المباشرة للأزمة المالية في المملكة
في مقالة الأسبوع الماضي تم التطرق إلى الآثار المباشرة للأزمة المالية في الاقتصاد السعودي، حيث تفيد المؤشرات المتوافرة على انخفاض تأثيرها المباشر في الاقتصاد السعودي مقارنةً بالاقتصادات الغربية. ويقتصر تأثير الأزمة المالية المباشر بشكلٍ رئيسي على تدني قيم بعض الاستثمارات الخاصة المباشرة في المصارف العالمية وتدني مستوى الإقراض المجمع، الذي قد يؤثر بصورة مؤقتة في تنفيذ المشاريع الضخمة في منطقة الخليج العربي. أما الآثار غير المباشرة للأزمة المالية في اقتصاد المملكة، فمن المتوقع أن تكون أكبر وأشد من الآثار المباشرة.
ويأتي في مقدمة تلك الآثار التراجع المتوقع لأسعار النفط، حيث سيتسبب الركود الاقتصادي للولايات المتحدة وأوروبا واليابان في انخفاض أسعار السلع الأولية وعلى رأسها النفط. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي ومجلس الاحتياط الفيدرالي إلى حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة. وسيتراجع معدل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة إلى الصفر تقريباً، وذلك بدأً من الربع الرابع لعام 2008م وكل عام 2009م وقد يمتد إلى بداية 2010م. وستنخفض أيضاً معدلات النمو في دول الاتحاد الأوروبي وتدخل معظم اقتصاداتها، خصوصاً الكبيرة منها في دوامة الركود الاقتصادي للفترة نفسها. وقد أعلنت ألمانيا عن خفض توقعاتها للنمو في معدلات الناتج المحلي العام المقبل إلى نحو الصفر المئوي. ولا يختلف الاقتصاد الياباني كثيراً عن وضع الاقتصادين الأوروبي والأمريكي، حيث من المتوقع أن يرتفع بنصف نقطة مئوية فقط في عام 2009م. وستعاني الدول الآسيوية تراجع معدلات النمو بما في ذلك الصين والهند، وينطبق الحال على باقي الدول النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على صادراتها للدول الغنية.
ولهذا فمن المتوقع أن يتراجع نمو الطلب على النفط بل يتوقع المتشائمون تراجع الطلب الكلي على النفط. وإذا ما أضيف النمو المتوقع للطاقة الإنتاجية الفائضة، وتراجع التوترات الأمنية في منطقة الخليج العربي إلى التطورات السلبية في الطلب على النفط فإن أسعاره ستنخفض. وقد تراجعت أسعار النفط إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل خلال الأيام الماضية. وتتوقع أكثر المصادر تشاؤماً أن تنحدر أسعار النفط إلى مستويات 50 دولاراً للبرميل العام المقبل. وهذا الانخفاض في الأسعار سيؤدي إلى تراجع كبير في قيمة صادرات المملكة وتراجع في الإيرادات المالية للحكومة، وسيحد من النمو في الإنفاق الحكومي العام المقبل. ويتوقف الفاقد من قيمة الصادرات والإيرادات العامة على حجم انخفاض أسعار النفط، وطبقاً لأسوأ التقديرات قد يصل إلى نصف قيمة إجمالي الصادرات والإيرادات العامة في عام 2008م. وستضطر منظمة أوبك إلى الدفاع عن أسعار النفط من خلال خفض الإنتاج. وستتحمل المملكة ودول الخليج العربي الأخرى معظم كميات الخفض، ما يعني تراجع النمو الحقيقي في القطاع النفطي بنسب قد تصل إلى 5 في المائة وخفض الإنفاق على برامج رفع الطاقة الإنتاجية للنفط. وستحاول المنظمة وضع سعر مستهدف يراوح بين 70 و80 دولاراً لبرميل النفط لكي تتمكن من الدفاع عن هذا السعر المستهدف. ومن المشكوك فيه أن تستطيع "أوبك" الدفاع عن أسعار تفوق هذا المستوى ما لم تعمد إلى خفض كبير في الإنتاج.
وستتمكن المملكة من تحقيق توازن في الميزانية عند متوسط أسعار لبرميل النفط لا تقل عن 50 دولاراً. وانخفاض متوسط أسعار النفط في عام 2009م إلى مستويات تقل عن هذا المستوى هو أمر مستبعد جداً في الوقت الحالي. ولكن إذا وصل متوسط أسعار تصدير النفط السعودي إلى أقل من 50 دولاراً، فسيقود هذا بلا شك إلى حدوث عجز مالي في إنفاق الحكومة وحدوث عجز في الحساب الجاري. وحتى لو انخفضت أسعار النفط لمستويات تقل عن 50 دولاراً لفترة قصيرة فلن تكون المملكة مضطرة إلى خفض كبير في مستويات الإنفاق، حيث تتوافر لديها احتياطات مالية كافية لمواجهة أي عجز محتمل في الإيرادات لعدة سنوات. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل نمو الناتج العالمي نحو 3 في المائة، وهذا سيوفر دعماً لأسعار النفط ويخفض من احتمالات تراجع الأسعار بقوة. وستتمكن المملكة من الصمود في وجه أي انخفاض لأسعار النفط لفترة محدودة. وسيحد انخفاض أسعار النفط من تآكل النمو في الطلب.
ومن المتوقع أن يدعم خفض نمو النفقات العامة وانخفاض أسعار المواد الأولية سياسات كبح التضخم في المملكة وخصوصاً في المواد الإنشائية وبعض المنتجات النفطية والبتروكيماوية. وقد يعاني قطاع البتروكيماويات تراجعا في أرباحه بسبب الأسعار التفضيلية التي يتمتع بها في تسعير مدخلات الإنتاج، والتي تعزز أرباحه في حالة ارتفاع أسعار اللقيم العالمية. كما أن من المتوقع تراجع معدلات نمو الطلب على المنتجات البتروكيماوية نتيجةً للركود في الدول الغنية. وسيخفف انخفاض أسعار النفط من ضغوط تطوير واستخدام بدائل النفط، ما سيساعد على توفير المزيد من المنتجات النباتية للاستهلاك البشري والحيواني ويخفض من أسعار الكثير من المواد الغذائية.
وقد أدت توقعات الركود العالمي إلى تراجع حاد في البورصات العالمية وإلى ازدياد تشاؤم المستثمرين في الأسواق المالية العالمية، وإلى خسائر كبيرة للمستثمرين السعوديين في أسواق المال العالمية، وهذا سيؤثر في نفسية المتعاملين في السوق المالية المحلية ويجبر بعض المستثمرين المحليين والأجانب على تغيير استثماراتهم للوفاء بالتزاماتهم في الأسواق الخارجية. وعلى كل حال، فإن هناك تراجعاً في الثقة بأسواق المال على المستويين العالمي والمحلي، وهذا سيخفض من نمو الاستثمار في أسواق المال المحلية. وقد تراجعت الأسواق المالية المحلية والعالمية بنسب كبيرة خلال هذه الأزمة المالية، ما خفض من ثروات كثير من المستثمرين السعوديين ويقود إلى خفض مستويات الاستثمار والاستهلاك. ونتيجةً لذلك، فإن معدلات نمو الناتج المحلي غير النفطي قد تتراجع قليلاً. من ناحيةً أخرى قد يستفيد الاقتصاد المحلي من انحدار الثقة بأسواق المال في الدول المتقدمة، وذلك من خلال تحويل بعض المستثمرين استثماراتهم في الدول المتقدمة إلى الاقتصاد السعودي.
وأوضحت الأزمة قوة التشابك بين الاقتصادات العالمية وسرعة انتشار آثار الأزمة حول العالم. ويرتبط اقتصاد المملكة بقوة مع الاقتصادات العالمية بسبب اعتمادها على التصدير. وارتفعت درجات تشابك اقتصاد المملكة مع الاقتصادات العالمية بسبب انفتاح اقتصاد المملكة الكبير على أسواق رأس المال والعمل العالمية. وهذا التشابك رفع من حساسية تأثر اقتصاد المملكة بتطورات الاقتصاد العالمية سلباً وإيجابا.
ومن المتوقع أن تجري إعادة هيكلة لأسواق المال الغربية على المدى الطويل، ولكن ليس من المتوقع أن تعاني مصارف المملكة إعادة الهيكلة الناتجة عن الأزمة المالية فلم يظهر أي مصرف تلاشياً لرأس المال، وذلك بسبب اعتماد المصارف بالدرجة الأولى على الإيداعات المباشرة وانخفاض اعتمادها على الاقتراض من بعضها البعض أو من السوق. ومن المتوقع أن تجري بعض الإصلاحات على الأنظمة المالية، بما في ذلك توفير الضمانات القانونية للمودعين والمزيد من المراقبة على استثمارات المصارف ومخصصات الإدارة العليا للمصارف.
وتبرز الأزمة حاجة المملكة ودول الخليج الكبرى إلى مصارف ضخمة لتمويل المشاريع التنموية الكبرى في دول المنطقة. وتوجد فرصة حقيقية لبناء قطاع مصرفي عملاق مبني على أسس علمية سليمة ولا يركز نشاطاته على خدمة عدد محدود من الملاك الرئيسين للمصارف. وتحتاج تلك المصارف إلى رسملة كبيرة وشفافية عالية والمزيد من الضمانات الحكومية وطاقات بشرية عالية الخبرة لتتمكن من تلبية احتياجات المنطقة بل والمنافسة على المستوى العالمي.