الأزمة المالية .. نظرة تفاؤلية
الواضح أن النظرة التشاؤمية هي المسيطرة على نتائج وعواقب الأزمة المالية العالمية. وعلى الرغم من الأضرار التي تسببت فيها هذه الأزمة، إلا أن لها أوجه إيجابية سواء على الجانب الاقتصادي أو على الجانب السياسي. ومن تلك الأوجه تراجع القوة الأمريكية على المستوى الاقتصادي وبالتالي تراجع الهيمنة السياسية من الناحية الأخرى. وهذا لا شك إيجابي لحفظ توازن القوى في العالم وللأضرار البالغة التي لحقت بالعالم نتيجة انفراد "الحكومة" الأمريكية بالهيمنة السياسية. كما أن الأزمة المالية قد تجعل كثيرا من الدول تعيد ترتيب الأولويات، ومن ذلك التركيز على القضايا الداخلية والتخلي عن شعارات العولمة. وهذا يتضح فيما حصل في "أوروبا الموحدة" ، فهذه أيسلندا تتلقى صفعة من حلفائها الأوربيين ، مما جعلها تتجه نحو روسيا لفك ضائقتها المالية ، وهذه أيرلندا لا توافق على الحل الجماعي للأزمة وتعارض معاهدة "لشبونة".
ومن الأوجه الإيجابية للأزمة إمكانية تزايد الدور العالمي لدول آسيا كالصين والهند والدول الخليجية. لذا فإن الدول الخليجية لو أحسنت استغلال الأزمة فإنها لا شك ستصبح أكثر فاعلية في العالم الجديد نظراً لتأثرها المحدود بالأزمة مقارنة بالدول الأخرى ، ولضخامة احتياطي وثروات هذه الدول واحتياج الدول الغربية لهذه الاستثمارات.
ومن الأمور الإيجابية سقوط بعض المبادئ الرأسمالية الراسخة التي كان ينادي بها الرأسماليون مثل "حرية السوق" المطلقة. فبينما كانت الفلسفة الرأسمالية تنتشر في دول الشرق ووتيرة التخصيص Privatization في ازدياد دون مراعاة لطبيعة وثقافات الشعوب، فإذا الغرب يطالب بالتدخل الحكومي لإنقاذ الاقتصاد وكأن التأميم Publicization هو الحل !!! ولعل الدرس الذي ينبغي أن نفهمه هو أن الحل في الوسطية الاقتصادية، لذا فإن على المجلس الأعلى للاقتصاد في المملكة أن يعيد النظر في برنامج التخصيص الذي تم إقراره أخيرا، وعلى وجه الخصوص تخصيص الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم. وفي هذا الشأن ، فإن دور الحكومات ينبغي أن يكون خدميا وتشريعيا في الوقت نفسه وذلك لحماية المصالح العامة وحفظ التوازن بين النمو والاستقرار.
ومن إيجابيات هذه الأزمة إدراك عواقب وخطورة الإسراف في الائتمان، حيث إن ما حدث يرجع في الأصل إلى التوسع في الإقراض والاقتراض والتساهل في تطوير أدوات استثمارية صورية من القروض نفسها. لذا فإن النظام المصرفي يحتاج إلى التخلي عن بعض الصيغ التقليدية للإقراض التجاري وتقديم صيغ جديدة تعتمد على المشاركة الفعلية في المشاريع.
من الأوجه الإيجابية للأزمة اعتراف العقلاء في العالم الغربي بعدم مثالية النظام المالي الغربي. وفي هذا الصدد يقول أحد الصحافيين الغربيين إن الأزمة كونتها ثلاثة أضلاع هي: الربا ، والطمع ، وفساد الإدارة. والواقع أن إرثنا التاريخي والثقافي يحذر من هذه الثلاثية ، بل يؤكد عدم صلاحيتها في العمل التجاري.
وأخيراً، فإن الأزمة تسببت في تراجع التضخم وتراجع أسعار السلع، ومن المتوقع أن تشهد أسعار العقار والبناء انخفاضا نظراً لقلة الائتمان. وهذا ما بدا يظهر في السوق المحلي حيث انخفضت أسعار الحديد بمقدار 43 في المائة خلال ثلاثة أشهر، مما يعني اتجاه أسعار المساكن نحو الانخفاض.
أستاذ المحاسبة
جامعة الملك سعود