المواطن والسكن ... مطلوب مظلة حكومية
منذ أن خرج آدم "عليه السلام" من الجنة إلى هذه الدنيا حتى يومنا هذا وأزمة السكن تلاحق ذريته وتكبر مثل كرة الثلج .. ولو فتشنا عن أصل كل الأزمات المالية والاجتماعية والأمنية والسياسية التي تواجه الشعوب لوجدنا السكن من أهم أسبابها.
ويواجه الإنسان في كل مكان مشكلة السكن بجدية تامة ويتحمل المشاق في سبيل ذلك، فلقد بدأ ينحت من الجبال بيوتاً ثم تحول إلى الإبل والماعز يتخذ من صوفها ووبرها نسيجاً يستظل به من لهب الشمس ويتقي به البرد القارس .. ثم لجأ إلى الأشجار .. وأخيراً حفر الأرض واستعمل طينها في بناء مساكن هي أقرب إلى ما نعرفه الآن حيث استبدل الطين أخيراً بالأسمنت والحديد. وخلال تلك الرحلة مع البناء سكب الإنسان عرقه ليؤمن المسكن المناسب له ولعائلته.
والمواطن في بلادنا ليس استثناء مما ذكرت فلقد وضع توفير المسكن على رأس اهتماماته. وكان الأمر أقل صعوبة حينما كانت العائلة المركبة تسكن في بيت واحد حتى لو تزوج جميع شبابها.. لكن الأمر اختلف منذ ثلاثة أو أربعة عقود حينما أصبح من المتعين على كل شاب يتزوج أن يترك بيت العائلة الكبير ويسكن مع زوجته في بيت مستقل. وكان الأمر ميسورا حينما كانت تكاليف المساكن معقولة.. أما وقد أصبحت أسعار الأراضي وتكاليف البناء على ما نعرفه الآن فإن توفير سكن لشاب تخرج من الجامعة وراتبه لا يزيد على خمسة آلاف ريال من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيلات حتى أصبح من يملك سكناً من السعوديين حسب رأي المختصين لا يزيد على 35 في المائة من عدد السكان .. وهي نسبة متدنية للغاية.
قد يقول قائل .. وأين دور صندوق التنمية العقارية؟ .. والجواب بأن الصندوق قد قام بدور لا ينكر وهو فكرة رائدة مثل بقية الصناديق الصناعية والزراعية التي نرى آثارها فنتذكر كل من عمل على إيجادها بكل خير .. لكن دور الصندوق العقاري قد ضعف كثيراً، فقيمة القرض وهي 300 ألف ريال لم تعد مبلغاً مناسباً لمن يريد أن يعمر مسكناً. كما أن مدة الانتظار الطويلة للقرض واشتراط تقديم أرض لقبول الطلب قد أفقدت الشاب المقبل على الزواج فرصة الاستفادة من هذا القرض في الوقت المناسب. وغير قرض الصندوق العقاري وبعض الأعمال الخيرية المشكورة لتوفير السكن للشريحة الفقيرة من المواطنين فإن مسألة نقص السكن في بلادنا لم تعامل بالجدية التامة.
وفي ظل الأزمة المالية التي عصفت بالعالم كله ونحن جزء من هذا العالم، والتي كان سببها الرئيسي أزمة الرهن العقاري للمساكن، فإن الأمر يتطلب خطوات عملية سريعة لتنظيم قطاع الإسكان الذي أسست له هيئة مختصة ولكن لم نسمع عن بدء نشاطها بعد.
ومن تلك الخطوات أن تدعم الحكومة توفير مساكن ميسرة ليس للطبقة الفقيرة فقط وإنما للشباب المتخرج من الجامعات .. وحث البنوك ومؤسسات التمويل العقاري التي تتسابق لبناء الأبراج العالية للمكاتب والفنادق في الداخل والخارج على أن تتجه إلى بناء المساكن بضمان ودعم من الدولة وتنظم بيعها بالتقسيط للشباب. واشتراط عدم بيع المسكن أو رهنه لأي جهة أخرى حتى لا تتحول قيمة ذلك المسكن إلى مال للمضاربة في الأسهم كما حدث خلال الفترة الماضية حيث باع البعض، وأرجو من الله أن يكونوا قلة، مساكن أبنائهم للمضاربة في سوق الأسهم فحدث ما حدث وتحول الأمر إلى مشكلات اجتماعية يعرفها الأطباء النفسانيون أكثر من غيرهم.