رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاستقالة من المجلس البلدي .. افتقار لمهارات العمل النيابي

[email protected]

يخلص المتابع للإدارة المحلية السعودية إلى أن الهدف من تفعيل المجالس البلدية في هذه المرحلة التأسيسية هو بناء ثقافة جديدة في المجتمع تعتمد على قيم المشاركة والتفكير الجماعي والنقاش بشفافية وتوعية الناس بدورهم الاجتماعي وأهمية المداخلة في صناعة القرارات العامة عبر ممثليهم في المجالس والاهتمام بالشأن العام والتأكيد على أنهم معنيين بالقرارات العامة فهم يؤثرون ويتأثرون بها. قد يكون من الخطأ الاعتقاد أن المجالس البلدية في صيغتها الحالية هي بمثابة إدارة مدن وبالتالي تستطيع معالجة المشكلات المحلية بشمولية وإعداد خطط التنمية المحلية المستقبلية، ولذا فان تقييم تجربة المجالس البلدية وتحديد نجاحها من عدمه يعتمد بمدى تحقق ثقافة المشاركة والشفافية وفن التفاوض والقدرة على الانخراط في المداولات والنقاشات والتوصل إلى صيغ توافقية موضوعية. ما يهم هنا هو الإجراء وليس النتيجة! وهو تعلم منهج الحوار والبحث عن المشترك والمنفعة العامة بعقلية منفتحة مستنيرة تتطلع للأفضل من أجل الجميع. إن تطبيق هذا الأسلوب داخل المجالس ليس بالأمر السهل ويتطلب تحولا في الفكر والميول والسلوك والنظر للقضايا المطروحة من منظور حيادي موضوعي وليس من تصورات أيديولوجية ضيقة الأفق تطلق أحكاما مسبقة دون محاولة لتفهم وجهة النظر الأخرى على أساس من الحقائق والمعلومات الموثقة. إن كثيرا من القضايا العامة تحتمل وجهات نظر متباينة ومتفاوتة ولا يمكن أن يجتمع أفراد المجتمع عليها فالاختلاف سنة كونية وطبيعة اجتماعية من أجل ذلك كان من الضروري إنشاء مجالس نيابية تعكس الآراء المختلفة وتحاول أن توفق بينها ليحقق القرار العام الحد الأدنى من الرضا لجميع الأطراف وليس بالضرورة إلى تعظيمه. هذا هو الدرس الذي يجب أن يعيه الجميع وأن نخرج من تجربة المجالس البلدية أكثر قدرة على النقاش والتحاور والتعاون وتحقيق المصلحة المشتركة. إنه الأسلوب الحضاري في تناول القضايا العامة بطريقة موضوعية سليمة.
ما يحدث في بعض المجالس البلدية من تسابق بعض أعضائها إلى تقديم استقالتهم ظاهرة غير صحية ومؤشر لعدم تمكنهم من الانخراط في مداولات ومفاوضات والاجتهاد في تغيير وجهات النظر لجذب القرار لصالح رؤيتهم وفلسفتهم وتفضيلهم. إن التلويح بالاستقالة ينبئ عن افتقاد لمهارات العمل السياسي والتفاوض والاتصال وضعف الموقف وعدم وضوح الرؤية والمطلوب. إن العمل السياسي عمل شاق ومضن يتطلب الصبر والتعلم والحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن وحمل رسالة واضحة وأسلوب يحقق المصلحة العامة وتطلعات السكان الحالية والمستقبلية. إن العمل السياسي (صناعة القرارات العامة) يتطلب التفكير الإبداعي بتقديم أفكار ومشاريع جديدة داخل إطار الثوابت الوطنية والقيم الاجتماعية. فالقرارات العامة يلزم أن تجاري متطلبات السكان وتحقق احتياجاتهم ومتطلباتهم وبالتالي لا نستطيع الركون للمألوف والاستمرار على ذات النهج وكأن الأشياء من حولنا ثابتة لا تتغير! البعض يعتقد أننا بمنأى عن المتغيرات وأن أسلوب المنع يجنبنا تأثيراتها وهو في حقيقة الأمر أسلوب عقيم وساذج لأنه ينطوي على اعتقاد بأن التغاضي عن المتغيرات والتصرف كأنها غير حاضرة يوردنا المهالك تماما كالنعامة تدس رأسها في التراب ظنا منها أن من لا تراه لا يراها! لا بد من مواجهة التحديات بحكمة وشجاعة وروية في إيجاد حلول جديدة ومبادرات نستطيع من خلالها احتواء هذه المتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية بالأسلوب والطريقة التي تناسبنا. أعتقد جازما أن هذا ما قصدته أمانة منطقة الرياض من تقديم مناشط ترويحية ثقافية تضفي الفرح والسرور على سكان العاصمة الرياض. البعض صنف ذلك خروجا عن المألوف وهو كذلك "ولكن بتجديد الأسلوب وليس على الثوابت والقيم الاجتماعية"، بدليل القبول والرضا من قبل السكان فلو كانت تتعارض مع القيم والمبادئ لما ارتضوها وشاركوا فيها وطالبوا بالمزيد منها. إن التجديد والتطوير أمر مطلوب وضروري حتى نستطيع جذب الناس لقيمنا وعاداتنا بأسلوب وقالب جديد وإقناعهم من داخل ذواتهم بصحة المبدأ والعقيدة والقيم ومن ثم الالتزام بها التزاما ثابتا عميقا وليس ظاهريا شكليا. لقد فسرت هذه المناشط والبهجة في العيد خارج سياقها وحملت أكثر مما تحتمل. المجتمع في مجمله فيه من الخير والصلاح الكثير والمطلوب هو تجديد الخطاب والأسلوب بدلا من خطاب التعنيف والنظرة الفوقية وعدم احترام عقلية الناس والتشكيك في خلقهم. لا شك أن هناك مظاهر اجتماعية سلبية وسلوكيات وتصرفات مشينة  تحتاج التصحيح والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن هذا لا يعني المنع والرفض فهذا مدعاة أما للعناد وتبني أسلوب خالف تعرف خاصة من فئة الشباب أو البحث عن البديل والذي أخشى أن يكون سيئا وفي هذه المرة ليس تحت الأنظار!
أن التغير سنة الحياة ولا يمكن التصور أن تبقى الأمور، كما هي علية فدوام الحال من المحال وهذه حقيقة واضحة، كما الشمس في  رائعة النهار، وإذا كان كذلك كان لزاما أن نبادر إلى إحداث التغيرات وفق منهجنا ورؤيتنا وتحت سيطرتنا وإلا أخذنا على حين غرة وتغيرت الأمور من دون حول منا ولا قوة. ولذا فإن أفضل طريقة للسيطرة على التغيير هو أحداثه. إن المجالس البلدية يفترض أن تكون عناصر للتغيير الاجتماعي وتمكننا من صناعة ثقافة التعلم وتبادل الخبرات وتطوير القدرات والارتقاء في السلم الحضاري وإدارة الاختلاف. المشكلة عندما ينظر للمجالس على أنها أجهزة بيروقراطية تنفيذية جامدة وليس مكانا للنقاش وتناول القضايا العامة والتفاعل مع ما يهم الناس وقيادة المجتمعات المحلية نحو أوضاع أفضل وتقديم الجديد واستباق الأحداث وتهيئة الفرص وحماية المجتمع بتحصينه ليس بالمنع والرفض والاستكانة للمألوف ولكن بمواجهة التحديات بوعي وخطط ومشاريع تلبي احتياجات المجتمع وتعزز من هويته.
إن ما تقوم به أمانة منطقة الرياض من مبادرات، جديرة بالتقدير والتشجيع لأنها منحت سكانها وزوارها البهجة في العيد أحد أهم المظاهر الإسلامية بعدما كان للكثيرين يوما جافا متعبا كئيبا! إن من شأن ذلك جعل الناس يعون أن في ديننا فسحة فيما يرضي الله ويتفق مع التعاليم الإسلامية. ولذا كان مستغربا أن نجد من يعمل لتقويض هذه الجهود المباركة التي لا تعود بالنفع على الأفراد وحسب ولكن ـ وهو الأهم ـ ترسم حالة اجتماعية ووضع عام يبعث للأمل والتفاؤل ويدفع نحو التغيير والتطوير والتجديد. إن من حق أي عضو في المجلس إبداء وجهة نظر مغايرة ولكن يلزمه حينئذ أن يقدم البديل ومبرراته ويقنع الآخرين به بدلا من صيغة المنع والرفض التي تصيب العملية السياسية والمشاركة الاجتماعية وثقافة الحوار  وحرية الرأي في مقتل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي