نجاح السعودة والمعادلات الصعبة
لقد بُذلت جهود كبيرة، واتخذت قرارات عديدة، لزيادة إسهام القوى العاملة السعودية، أي تحقيق مزيد من السعودة. ومن هذه الجهود: السعي لسعودة القطاع الحكومي، وإلزام الشركات بتوظيف نسبة معينة، إضافة إلى إنشاء صندوق الموارد البشرية، وتشجيع مراكز التدريب والتأهيل، وسعودة قطاعات ومهن معينة، كسعودة سوق الخضار ومحال بيع الذهب وغيرها. وعلى الرغم من نجاح سعودة القطاع الحكومي، إلا أن هذه الجهود لم تحقق النجاح المأمول في القطاع الخاص إلى الآن. فلا تزال القوى العاملة الوافدة تمثل (54 في المائة) من إجمالي القوى العاملة، ولا تزال البطالة مرتفعة بكل المقاييس، إذ تصل إلى نحو (10 في المائة) للسعوديين، وتربو على (24 في المائة) بين القوى العاملة النسائية، وذلك بناء على نتائج مسح القوى العاملة لعام 1429هـ، ولا تتجاوز نسبة السعوديين في القطاع الخاص 13 في المائة من إجمالي العاملين في هذا القطاع، وذلك حسب إحصاءات وزارة العمل.
فمن جهة، يشتكي بعض رجال الأعمال من أن طبيعة تعليم الشباب السعودي ومهاراتهم لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل، ما يجعلهم في حاجة ماسة إلى التدريب والتأهيل. وتجاوباً مع هذه الشكوى، لجأت الدولة إلى إنشاء صندوق الموارد البشرية لدعم تدريب الشباب وتوظيفهم، وبادرت بعض الجهات الخاصة، مثل: مؤسسة عبد اللطيف جميل إلى إنشاء مراكز لتدريب الشباب وتأهيلهم للعمل.
ومن جهة أخرى، يشتكي بعض الشباب من المعاملة السيئة في بعض منشآت القطاع الخاص، وعدم التزامها بأنظمة العمل، ويبدون عدم رضاهم عن ساعات العمل الطويلة التي يقابلها مستويات أجور متدنية.
ومن جهة ثالثة، يرى بعض المواطنين والمهتمين بهذا الشأن أن القطاع الخاص لا يبذل الجهد الكافي في مجال تدريب الشباب السعودي، ولا يمنحهم الفرصة الكافية ليتمكنوا من التأقلم مع بيئة العمل، أو اكتساب المهارات الضرورية.
ومن جهة رابعة، تتفاوت وجهات النظر، ويختلف علماء الاقتصاد حول قدرة القطاع الخاص الفتي (الهش) على تحمل الحد الأدنى للأجور، لأنه يتكون من مؤسسات صغيرة ربما لا تتحمل الهزات الكبيرة، لاعتمادها على العمالة الرخيصة، ولأن إقرار الحد الأدنى للأجور يتطلب المساواة بين العاملين، ما قد يثير بعض التساؤلات من قبل منظمات خارجية من جانب، ويسهم في رفع الأسعار من جانب آخر.
ومن جهة خامسة، يشتكي المجتمع من ارتفاع معدلات الفقر وبعض الجرائم، وكذلك العنف الأسري والأمراض النفسية المرتبطة بالبطالة، ما يتطلب بذل مزيد من الجهود للتوصل إلى إجراءات فاعلة لتوظيف الشباب في أعمال توفر لهم أجوراً كافية لتحقيق العيش الكريم.
ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات زيادة رواتب العاملين في القطاع الخاص، ولو من خلال مفهوم "الحد الأدنى الطوعي" - كما تُطلق عليه وزارة العمل - والسعي إلى تحسين بيئة عملهم. وقد تؤدي زيادة الأجور إلى ارتفاع في أسعار بعض السلع، ولكن ينبغي أن نتحمل ذلك في سبيل توظيف أبنائنا، كما يفعل غيرنا في مجتمعات أخرى.
ومن الأمور المهمة لتحقيق السعودة إعادة النظر في ساعات العمل في الأسواق التجارية من جهة، وإلزام مؤسسات القطاع الخاص بتطبيق أنظمة العمل، واحترام حقوق العاملين بها من جهة أخرى. فليس هناك حاجة إلى فتح بعض المحال والمؤسسات لساعات طويلة، تصل إلى 16 ساعة يومياً، لدرجة تجعل العمل شاقاً للعاملين السعوديين، خاصة مع التزاماتهم العائلية. كما أن الحاجة ليست ماسة إلى التوصيل اليومي لحبات الطماطم واحتياجات المطبخ الأخرى على مدار الساعة في الأحياء السكنية!! فلا يمكن - والحال كذلك - كسب المنافسة مع وافد آسيوي يعمل طوال يومه في محل تجاري، ويتخذ جزءاً منه مقراً لسكنه، ومكاناً لنومه.
ومن الضروري تفعيل الأنظمة التي تحظر المتاجرة بتأشيرات الاستقدام، رأفة بالعمال، الذين يتحملون الديون في سبيل الحصول عليها، ما ينعكس على أدائهم بعد وصولهم مقر العمل.
ولا بد من رفع كفاءة نظم التعليم والتدريب لتعزيز قدرة الشباب السعودي على المنافسة.
أخيراً تحسن الإشارة إلى أن هذه الملاحظات والآراء لا تقلل من تقديرنا لإسهام العمالة الوافدة في تنمية بلادنا، ولا تدعو للاستغناء عنها كلية، فالتفاعل بين المجتمعات والثقافات أمر إيجابي ومطلوب على الدوام، إن لم يكن ضروريا.
* جامعة الملك سعود