المسؤولية السعودية: في أمن البحر الأحمر
مع أن العالم مشغول ومنغمس في مقاومة آثار الزلزال الذي ضرب الأسواق المالية العالمية، إلا أن مجلس الأمن اجتمع على عجل وناقش قضية القرصنة التي تقوم بها بعض العصابات الإرهابية قبالة الصومال على ساحل البحر الأحمر.
ولقد أحدثت القرصنة نوعا من الذعر والإحساس بغياب الأمن في أحد أهم الممرات المائية الدولية. وإزاء ذلك أصدر مجلس الأمن قرارا بمنح الدول صلاحية استخدام القوة العسكرية للقضاء على القرصنة وإزالة كل الأسباب المؤدية إلى عدم استقرار الملاحة في البحر الأحمر، وعلى الفور تحرك حلف الأطلنطي لتشكيل قوة عسكرية مشتركة لتأمين سلامة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وهكذا عادت قضية أمن البحر الأحمر إلى سطح الأحداث العالمية المهمة، ولكن من خلال انتشار عصابات القرصنة والإرهاب التي استغلت اختلال الأوضاع السياسية في جمهورية الصومال، وقامت بالاستيلاء بالقوة المسلحة على بعض البواخر التجارية العابرة في البحر الأحمر.
وبالنسبة المملكة العربية السعودية، فإنها إحدى الدول المهمة التي تطل بمساحات شاسعة على البحر الأحمر، بل تحتل المملكة كامل الساحل الشرقي للبحر الأحمر تقريبا بدءا من العقبة في الشمال حتى جازان في الجنوب.
ومن خلال هذا الموقع الشاسع، فإن مسؤولية المملكة إزاء استتباب الأمن واستقرار الملاحة في البحر الأحمر.. تصبح مسؤولية كبيرة ومباشرة يفرضها الموقع الجغرافي وتفرضها طبيعة النشاط التجاري التي تربط الشمال بالجنوب وتفرضها - أيضا - القرارات الدولية.
إن البحر الأحمر شهد في العصر الحديث عددا من الأحداث الكبرى المخلة باستقرار الأمن في مياهه الدولية والإقليمية، فخلال الحروب العربية - الإسرائيلية التي بدأت في عام 1956، 1967، 1973 قامت العسكرية الإسرائيلية بسلسلة من النشاطات المريبة في منطقة باب المندب متعاونة في ذلك مع حليفتها إثيوبيا التي تطل على باب المندب، وهو الباب الاستراتيجي الذي يمنح الدولة المهيمنة عليه إمكانية فحص وتفتيش كل البواخر والعبارات التي تبحر في البحر الأحمر في طريقها إلى الهند، أو في طريقها إلى دول الخليج وإيران والعكس بالعكس. وأثناء هذا الصراع المفتوح مع إسرائيل.. كان الاهتمام العربي بأمن البحر الأحمر مسألة غير قابلة للجدل، نظرا لاتصاله مباشرة بنظرية الأمن القومي العربي. ولذلك عقدت عدة قمم عربية ضمت قادة المملكة العربية السعودية، مصر، اليمن، السودان، والأردن خلال السبعينيات الميلادية خصيصا لوضع استراتيجية عربية لجعل البحر الأحمر بحيرة عربية دون الإخلال بمصالح الدول الأخرى المطلة على البحر الأحمر، (وبالذات إثيوبيا وإريتريا) ودون الإخلال بتأمين سلامة وأمن الملاحة الدولية.
ويوم ذاك أعطت المملكة العربية السعودية لهذا الموضوع اهتماما بالغا، حيث إن المملكة - كما ذكرنا - أكبر دولة على البحر الأحمر.
وبالإضافة إلى أن البحر الأحمر ممر ملاحي دولي، إلا أنه يتميز بالكثير من الثروات الطبيعية والسمكية كالمعادن بأنواعها والبترول.
وبحكم أن الثروات المعدنية والبترولية من مسؤوليات وزارة البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية، فقد اهتم شخصيا معالي الأستاذ أحمد زكي يماني وزير البترول والثروة المعدنية يومذاك بهذه القضية الاستراتيجية المهمة، ولذلك اتجهت المملكة نحو جمهورية السودان التي تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، ووقعت المملكة مع السودان على اتفاقية تقضي بإنشاء لجنة دائمة مقرها مدينة جدة للبحث في تقاسم استغلال الموارد الطبيعية التي تقع في البحر الإقليمي للدولتين.
ولقد شرفت بحضور جانب من هذه الاجتماعات التي كانت تتحدث عن تكامل سعودي - سوداني هدفه استغلال واستثمار مشترك لثروات البحر الأحمر، ولكن كأي مشروع عربي انتهت اللجنة دون أن تحقق أي نتائج تذكر.
ولا نستطيع أن نحكم على هذه اللجنة بالفشل، ولكن نستطيع القول إنها كانت ضحية للخلافات السياسية بين الدولتين، وبالذات في الفترة التي تولى فيها الصادق المهدي رئاسة وزارة السودان وشن فجأة هجوما غير مبرر على المملكة العربية السعودية.
ولا شك فإن القرار الذي اتخذه مجلس الأمن يوم الأربعاء 6 أيلول (سبتمبر) 2008 يدفع بقضايا البحر الأحمر إلى التدويل، بعد أن كان البحر الأحمر بمنزلة بحيرة عربية تحت السيطرة والإدارة العربية، ذلك لأن الدول المطلة على البحر الأحمر هي دول عربية (السعودية - السودان - مصر - اليمن - الأردن - جيبوتي - والصومال) يُضاف إلى هذه الدول دولتا (إثيوبيا، إريتريا).
ورغم أن قرار مجلس الأمن الأخير مفيد لاستتباب الأمن.. إلا أن القرار اتخذ في غياب كامل من الدول العربية صاحبة المشروعية القانونية على البحر الأحمر.
ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قامتا بدور سريع وحاسم في سحب بساط أمن البحر الأحمر من الدول العربية، وسيتيح هذا القرار لإسرائيل فرصة اللعب بأمن البحر الأحمر عند أي مواجهة عسكرية في المستقبل بين العرب وإسرائيل.
وهكذا، فإننا نستطيع القول إن البحر الأحمر اليوم أصبح تحت وصاية دولية ستتسع وتعطي المشروعية لدول غير شاطئية لاستغلال ثروات هذا البحر الذي يُعد بحرا عربيا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وهو الأمر الذي يخل مباشرة بالحقوق والمصالح المباشرة بالدول العربية السبع التي تطل على البحر الأحمر.
المطلوب الآن من جامعة الدول العربية أن تعود بصورة عاجلة وحاسمة إلى تحركها السابق الذي نجح في السبعينيات وأعطى للدول العربية المطلة على البحر الأحمر مشروعية ترسيخ أمن البحر الأحمر، بحجة أنه بحيرة عربية من الوريد إلى الوريد، وأن الدول العربية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حماية الملاحة الدولية فيه وتوفير الأمن في كل أنحائه متعاونة في ذلك مع قرارات الشرعية الدولية.