رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الغرب .. الاقتناع بالتراجع

[email protected]

من أهم المقالات التي نشرت الأسبوع الماضي عن الأزمة المالية الغربية, مقال (فيليب ستيفنز) في "الفاينانشيال تايمز" (انظر "الاقتصادية" 14 تشرين الأول (أكتوبر) ص 39). وهذا المقال الذي جاء تحت عنوان لافت "عصر الغرب شارف نهايته", مهم لأنه جاء من أحد أبرز المعلقين المؤثرين في الصحيفة التي تعد مؤسسة فكرية لها تأثيرها القوي في النخبة السياسية والاقتصادية في أوروبا.
في المقال ثمة قناعات فكرية سياسية بدأت تعبر عن نفسها بوضوح, قناعات تأتي من أحد رموز تيار فكري ليبرالي نشأ وترعرع في حضن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية, لم يصدر عن تيار محسوب على اليسار, وهذه القناعات وضعها السيد ستيفنز في نهاية مقاله كملخص دقيق وواضح بالشكل التالي: "الدرس الأكبر من الأزمة هو أن الغرب لم يعد بمقدوره افتراض أن إعادة تشكيل النظام العالمي ستتم بالصورة التي يريدها هو, فعلى مدى أكثر من قرنين من الزمان مارست الولايات المتحدة وأوروبا هيمنة اقتصادية وسياسية وثقافية دون أن تبذل جهدا. هذا العصر شارف على الانتهاء".
طبعا هناك مبررات موضوعية يسوقها لهذا التحول الفكري الكبير, ومن هذه المبررات تدهور السلطة الأخلاقية للغرب, ويرى أن هذا التدهور جاء متسارعا مع بدء الحرب على العراق, وثمة مبرر آخر وهو تحول الدول الصاعدة في الشرق إلى مصدر الإقراض أي (الدائن) للدول الغربية, وهذا له آثاره العميقة ومنها أنه سوف يجعل هذه الدول لن تستمع إلى نصائح (المدين) ومحاضراته, فقد كشفت الأزمة أن القوى الاقتصادية التي رفضت نصائح الدول العظمى إبان أزمة 98 هذه الدول تبدو متزنة وقوية وبعيدة عن الأزمة الحالية.
طبعا هذه التحولات الجيوسياسية تبقى (أمرا مؤلما للدول الغنية), وربما تبقى هذه الآلام لبعض الوقت حافظا لـ (الإطار العقلي) الذي يسيطر على الذهنيات في الغرب, فالدول الكبرى ـ سوف تصرّ على أن تكون هي محور الإجماع العالمي, أو هي المنتدى المناسب لإعادة النظر في صياغة النظام المالي العالمي.
المفكرون في الدول الغربية، بالذات أصحاب المواقف، منذ سنوات وهم يحذرون من بداية النهاية، وها هي الأزمة الآن تكشف عن حقائق ودروس مؤلمة للغرب, وأبرز درس هو أن عقيدة إبعاد الدولة عن الاقتصاد وإطلاق التجارة دون حدود أو قيود لن تؤدي إلى الرخاء العالمي وضمان حيوية الإنتاج والنمو الاقتصادي, فالآن الدول الغربية تعود إلى تأميم المصارف والشركات الكبرى وتتساهل مع قوانين الاحتكار, وهذه تناقضات واضحة في النظرية الاقتصادية, وهي مبرر قوي على الاعتقاد ببداية تراجع النموذج الغربي .. تراجع تدعمه الحقائق على أرض الواقع, والدول الحكيمة هي التي عليها أن تتعلم الدرس من الأزمة.
يقول ستيفنز: "قبل عقد من الزمن بعد أن ألحقت أزمة 1997 ـ 1998 الدمار ببعض الاقتصادات الأكثر حيوية قالت آسيا إن ذلك لن يحدث على الإطلاق مرة أخرى, فلن يكون هناك تذلل عندما تسوء الأمور. وتفاديا لقوانين صندوق النقد الدولي المدمرة عكفت الحكومات على بناء الدفاعات الخاصة بها ضد الظروف غير المواتية, من خلال مراكمة الاحتياطيات من العملات الأجنبية, والتي بلغت أربعة آلاف مليار دولار في الوقت الحاضر".
الذي نعرفه، ويعرفه السيد ستيفنز، أن آسيا هي مستودع الحكمة .. وهي الأعمق في التاريخ والآن فرصة الشعوب أن تعود لقيادة العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي