التأثير المباشر للأزمة المالية العالمية في المملكة
ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات اقتصادية وتجارية ومالية قوية مع معظم دول العالم. ويلعب اقتصادها الكبير بناتجه المحلي الذي يمثل نحو ربع الناتج المحلي العالمي، وتقدمها التقني، والمالي، والمؤسساتي دوراً محورياً في الاقتصاد العالمي، فهي شريك تجاري مهم ورئيس لكل دول العالم، كما أنها المصدر والوجهة الأولى للاستثمارات والتدفقات الرأسمالية، وهي المركز المالي الرئيس والأول في العالم ولديها أكبر قطاع مصرفي في العالم. وأثارت الأزمة المالية التي تمر بالولايات المتحدة الذعر في جميع دول العالم، وتسري مخاوف كبيرة على مستوى العالم بأن تؤدي الأزمة المالية إلى فقدان الثقة في النظام المصرفي العالمي بسبب قوة تأثير المصارف الأمريكية في الأسواق. وترتبط دول مجلس التعاون أسوةً ببقية دول العالم بعلاقات اقتصادية قوية مع الاقتصاد والنظام المالي الأمريكي. وهناك قلق متزايد من تأثير الأزمة المالية الأمريكية سلباً في الاقتصادات الخليجية.
وللأزمة المالية الأمريكية تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في الاقتصادات الخليجية. وتتركز التأثيرات المباشرة في مدى تأثر القطاعات المالية والمصرفية الخليجية بالأزمة المالية الأمريكية. ولا يبدو أن لدى المصارف التجارية الخليجية، خصوصاً السعودية منها الكثير من المنتجات الملوثة بالرهن العقاري الأمريكي. ولا تفصح المصارف عادةً عن تفاصيل استثماراتها وتعتبره من أسرار أعمالها، ومع ذلك فمن غير المتوقع أن تحتوي موجودات المصارف السعودية على استثمارات كبيرة ملوثة بمنتجات الرهن العقاري الأمريكي أو المصارف والمؤسسات المالية المتأثرة، فقد أدت الطفرة الاقتصادية في دول الخليج، خصوصاً المملكة إلى توجيه المصارف السعودية مواردها تجاه الإقراض المحلي، ونتيجةً لذلك انخفضت الموجودات الأجنبية للمصارف السعودية كقيم مطلقة وكنسبة من إجمالي موجودات المصارف السعودية خلال السنوات الماضية. ولا يتوقف الاعتقاد على انخفاض تعرض المصارف السعودية لمخاطر الأزمة المالية الأمريكية على هذه الأسباب، بل يوجد عدد آخر من العوامل الأخرى التي خففت من تأثير الأزمة في المصارف السعودية. وكما يقال فرب ضارة نافعة، فقد أدى صغر حجم المصارف السعودية وتراجع قدراتها على المنافسة في أسواق الائتمان إلى تركيزها على السوق المحلية. كما أدى انخفاض مستويات الاستثمار في السندات والأوراق المالية بوجه عام إلى تراجع اهتمام المستثمرين بالسندات العالمية، خصوصاً السندات ذات المخاطر المرتفعة. وأدى تحريم بيع الدين "القرض" في الشريعة الإسلامية الغراء إلى منع الكثير من أصحاب المدخرات من الاستثمار في المشتقات المالية. وتدير بعض المصارف السعودية بعض صناديق الاستثمار التي تستثمر في السندات الدولية ولا تتوافر معلومات عن مدى تلوث استثماراتها بمنتجات الرهن الأمريكي، ولكن من المتوقع أن تستثمر هذه الصناديق في سندات منخفضة المخاطر، إضافة إلى أن أصول هذه الصناديق محدودة وميزانياتها مفصولة عن ميزانيات المصارف. لهذا فإن أي تلوث بمنتجات الرهن الأمريكي في هذه الصناديق لن يؤثر بصورة مباشرة في المصارف. عموما لا يبدو أن المصارف السعودية مهددة في الوقت الحالي، ولكن لا يمكن الجزم بأنها محصنة ضد الأزمة.
وترتفع مخاوف في منطقة الخليج من توقف عمليات القروض المجمعة الكبيرة التي تقوم بها المصارف العالمية الكبيرة لصالح مشاريع البنية التحتية الضخمة في منطقة الخليج. ويبدو أن مخاطر الإقراض التي تتعرض لها المصارف العالمية أجبرت بعضها على التوقف عن منح الائتمان لكبريات الشركات العالمية التي تشارك في إنشاء مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تشهدها دول الخليج. وقد يكون ضخ السيولة الأخير الذي قامت به الإمارات ناتج عن توقف عمليات القروض المجمعة والناتج أيضا عن ارتفاع مخاطر إقراض المصارف والخوف من تراجع أسعار النفط، وهذا التوقف قد يؤدي إلى تراجع تنفيذ هذه المشاريع وتوقف بعضها إذا استمرت الأزمة المالية فترة طويلة، الذي سيقود إلى تراجع قوي في النشاط الاقتصادي العالمي.
وتتركز الخسائر المباشرة للمملكة من الأزمة المالية الأمريكية في بعض الاستثمارات المباشرة في المصارف التي عانت من خسائر بسبب منتجات الرهن العقاري. وأكبر هذه الخسائر هو تراجع القيمة السوقية لاستثمارات شركة المملكة القابضة في "سيتي جروب" بنحو 80 في المائة، الذي أدى إلى انخفاض سعر أسهم شركة المملكة القابضة بنحو 40 في المائة خلال الأشهر الماضية. وينشط المستثمرون السعوديون في مجالات كثيرة من مجالات الاستثمار وفي أرجاء العالم كافة. ولدى العديد منهم استثمارات في مؤسسات متأثرة بأزمة الرهن العقاري الأمريكي وكذلك في العقارات الأمريكية التي تراجعت أسعارها. ونظراً لعدم وجود معلومات حول حجم الاستثمارات السعودية الخاصة ولا عن مدى تركزها في العقارات الأمريكية ومنتجات الرهن الأمريكي، تصعب معرفة الضرر الذي لحق بهؤلاء المستثمرين. ويغلب أن يكون هؤلاء من الموسرين، لهذا لا يشعر الكثير من الناس بشفقة من تعرضهم للخسائر. وعلى كل حال، فإن تعرض الأغنياء أو الفقراء للخسائر هو خسارة للاقتصاد الوطني.
أما قطاع التأمين الذي لديه ارتباطات قوية مع شركات التأمين العالمية، فقد يتأثر سلباً في حالة تهاوي شركات التأمين العالمية المرتبط بها. ولا تتوافر معلومات عن استثمارات هذا القطاع ولا علاقاته مع الشركات العالمية، لهذا تصعب معرفة مدى تأثره بأي انهيارات محتملة لشركات التأمين العالمية. وقد طمأنت شركة التأمين التعاوني، وهي الشركة السعودية الأهم والأكبر، بعدم تأثر عقودها التأمينية بالمخاطر التي تعرضت لها بعض كبريات شركات التأمين العالمية.
أما بالنسبة لموجودات مؤسسة النقد العربي السعودي فلا يمكن تصور وجود سندات أو منتجات ملوثة بالرهن العقاري الأمريكي. وتتصف سياسة البنوك المركزية في دول العالم بشكل عام بالرزانة وتجنب المخاطر في استثماراتها. وتعد مؤسسة النقد العربي السعودي من أحرص البنوك المركزية العالمية في تجنب المخاطر. وتعد موجودات مؤسسة النقد العربي السعودي، وسياساتها المتحفظة، والرزينة، وصرامتها في تطبيق الأنظمة المصرفية القواعد الأساسية التي تبعث على الثقة بالنظام المصرفي السعودي وقدرته على تعدي العاصفة التي تهب على النظام المصرفي العالمي. كما يدعم الوضع المالي القوي للحكومة السعودية، وتراجع مستويات الدين الحكومي، والفوائض المالية القوية في الأعوام الماضية من قدرة المملكة على التصدي لأي مخاطر تهدد اقتصادها.