فلنتجاوز التطمينات
في خطوة تحمد لمؤسسة النقد العربي السعودي في تعاملها مع الأزمة المالية التي اجتاحت الأسواق العالمية، أجرى نائب المحافظ يوم الأربعاء الماضي (8/10/2008) لقاءات تليفزيونية على الهواء مباشرة مع عدد من القنوات الفضائية، أكد فيها على متانة الوضع المالي للمصارف السعودية وجاهزية المؤسسة للتدخل، ودعم تلك المصارف إذا بدت الحاجة لذلك تحت أي من السيناريوهات المحتملة. وقد تفاعلت سوق الأسهم المحلية بشكل إيجابي مع تلك التصريحات، إذ تقلصت خسائرها بشكل ملموس عند الإقفال عصر ذلك اليوم. غير أن السوق ما لبثت أن عادت مع مطلع هذا الأسبوع لتستأنف هبوطها المتسارع ضاربة في عرض الحائط كل الحواجز مخترقة مستوى 5800 نقطة للمؤشر، وهو الأدنى منذ أربع سنوات، وبذلك تكون السوق قد خسرت نصف قيمتها تقريبا منذ بداية العام الجاري.
كما جاء في مساء يوم السبت الماضي (11/10/2008) حديث وزير المالية، الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية لتوكيد ما ساقه نائب محافظ المؤسسة عن سلامة القطاع المصرفي السعودي، وقد تناول الوزير في حديثه سوق الأسهم المحلية مطمئنا أنها "سترجع للاستقرار إن شاء الله" وأن انخفاضها غير مبرر. وبالرغم من صدور تلك التطمينات الرسمية على مستوى عال كانت استجابة السوق لها محدودة عند الافتتاح في اليوم التالي، بل إن المؤشر واصل تراجعه بأكثر من 200 نقطة تقريبا في منتصف الجلسة، ثم عاد ليقلص تلك الخسائر إثر إعلان المؤسسة قبل إغلاق السوق عن تخفيض نسبة الاحتياطيات الإلزامية للبنوك من 13 في المائة إلى 10 في المائة مع خفض ما يسمى بسعر فائدة إعادة الشراء بمقدار 50 نقطة أساس، وهو ما يعني زيادة السيولة النقدية المتاحة في السوق بتكلفة أقل.
لا شك أن تلك التطمينات كان لا بد منها، كما أن توقيتها كان مناسبا على خلاف ما يراه بعض المراقبين. لكن مشكلة سوق الأسهم ليست مردها عدم ثقة المتعاملين بمتانة الاقتصاد السعودي أو جهلهم بالملاءة المالية للخزانة العامة، ناهيك عن المزايا النسبية الواضحة التي تتمتع بها الشركات المدرجة ولاسيما ما هو منها في مجال البتروكيماويات، الأسمدة، والتعدين، وهي من الأمور التي لم تعد خافية على أحد . لذا ينبغي ألا نعجب من غياب آثار إيجابية ذات قيمة واضحة في السوق لتلك التطمينات، كما أننا لا نتوقع فائدة ملموسة من زيادة جرعاتها إن كنا نتطلع لانتشال السوق.
إن الدمار الذي حل بأسواق المال حول العالم يمكن القول إنه لم ينج منه أحد، وربما ذلك من الأسباب التي قد تدعو البعض إلى تصنيف ما نشاهده في سوق الأسهم السعودية في سياق رؤية ما يجري في الأسواق الأخرى. ذلك الموقف له ما يبرره بالطبع غير أن التمسك به سيؤدي إلى المزيد من الإضرار بالسوق. من تلك الأضرار ما يطرح اليوم من مقترحات تحت العنوان العريض "انتشال السوق"، إذ أن الكثير منها تشكل تدخلاً سافراً في آليات السوق فضلا عن أنها لا تخدم الهدف الذي طُرحت من أجله، وهي إن بدت في ظاهرها في مصلحة المتداولين في الوقت الراهن، ستكون بمثابة ضربة قاضية على مستقبل السوق ومصداقيتها.
هناك خلل هيكلي في تركيبة سوق الأسهم السعودية سيجهض أية مبادرات لانتشالها ما لم يتم علاجه بشكل فاعل وحاسم. والشواهد على ذلك الخلل باتت موثقة بعد أن كشفت أنظمة "تداول" بشكل دقيق نسب الملكيات الكبيرة في الشركات المدرجة. إن أصحاب تلك الملكيات الكبيرة في السوق، وعلى رأسهم صندوق الاستثمارات العامة، التأمينات الاجتماعية، ومعاشات التقاعد يسيطرون على ما يقارب 80 في المائة من مجموع الأسهم المدرجة، ما يعني أن المتاح للتداول لا يزيد في أفضل الأحوال على نسبة 20 في المائة فقط من السوق. وما يؤكد ذلك الخلل أيضا الهبوط الذي شهدته السوق بالنسبة القصوى أخيرا في يوم واحد لم تبلغ فيه قيمة التداول مليارا من الريالات، بينما تقدر القيمة الإجمالية للسوق بألفي مليار. فإذا كان الأمر كذلك، هل من العدل الحديث عن تنظيم وإصلاح سوق يغيب عنها أصحابها؟
إن غياب كبار الملاك عن السوق يؤدي حتما إلى اضطراب أحوالها وهشاشتها على النحو الذي نشاهده في سوق الأسهم السعودية، ولن تستقر أبداً مهما فُرض عليها من رقابة أو تنظيم بصرف النظر عما يجري حولها من قريب أو بعيد . نحن هنا لا نطالب بتدخل حكومي مبطن في السوق، وإنما ندعو كبار الملاك لممارسة دورهم الطبيعي بالمشاركة والدفاع عن مصالحهم ضمن آليات السوق بدلا من تعطيلها.