رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أين موقعنا في أزمة سوق المال الأمريكية؟

[email protected]

تسونامي في أسواق المال, كارثة, كساد, انهيار, والإثنين الأسود, هذه تعبيرات ورد تكرارها على ألسنة الناس عامتهم وخاصتهم, المتخصصين, وغير المتخصصين, وذلك خلال الأسابيع الماضية تعبيراً عن مشاعر الإحباط والقلق والفوضى المتوقعة في الأسواق المالية, ما يعني خسارة كثيرين أموالهم ومدخراتهم, وثرواتهم التي كونوها خلال السنوات الماضية بجهدهم وعرقهم, أما المتسبب في ذلك كله فهو ما حدث في الولايات المتحدة من انهيار قوي لبنوك وشركات التمويل, التي على رأسها بنك ليمان براذرز, الذي أعلن إفلاسه, وخروجه من السوق. هل ردود الفعل هذه طبيعية أم غير طبيعية؟ ما من شك أنها طبيعية, وتعبير عفوي, ومتوقع لأن المال مهم في حياة الناس أفراداً ومجتمعات, ولا تستقيم الحياة, وتسير بصورة جيدة, ومقبولة من دون المال إذ به تعمر الأرض, ويزيد النماء, والتطور في المجالات كافة. ولأهمية المال للناس ولحياتهم جاء ذكره في القرآن الكريم مقدماً على البنين "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" ولأهمية المال, وقيمته في النفس يكون محل افتخار بين الناس, وذلك كما ورد في سورة الكهف حيث أحد الصاحبين ذكْرَ صاحبه بماله, وثروته "فقال لصحابه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً" وإذا كانت هذه قيمة المال كما ذكرها القرآن, فالواقع يقدم أمثلة على هذا الأمر, حيث النزاع بين الأفراد والأمم والدول على الثروات ما يسبب الحروب والقتل والتدمير بهدف الوصول إلى المال واقتنائه, كما يحدث السطو والاعتداء والسرقة, وهذا ما أكده القرآن أيضاً "وتأكلون التراث أكلاً لماً. وتحبون المال حباً جماً", ترى لماذا هذا الانهيار وهذه الفاجعة المالية التي أصابت كثيرا من الناس في أنحاء العالم كافة؟ في ظني أن المدخل الطبيعي لمعرفة أسباب ما حدث يكون من خلال الأسس الفلسفية والثقافية والطبيعة البشرية, إضافة إلى الآليات المستخدمة في إدارة المال وتنميته. قطاع المال والأعمال في الغرب, وبالأخص في الولايات المتحدة التي بدأت بها الكارثة أو الانهيار يقوم على مفهوم الفائدة, والفائدة المركبة التي تتجاوز طاقة الأفراد لتحقيق احتياجاتهم الحياتية من مسكن, وسيارة, وأثاث, ورسوم دراسية, وغيرها مما يرهق كاهل الفرد, ويجعله عاجزاً عن السداد, وهذا ما حدث بالفعل, إذ إن الرهون العقارية أفلست بنوكها ومؤسساتها بسبب عجز المقترضين عن السداد, إذ إنهم يدفعون لسنوات طويلة الأرباح المترتبة على عمليات الاقتراض التي يلجأون إليها لتأمين مسكن أو سيارة أو غيرها. حدثت أزمة الرهن العقاري وتداعت معها أطراف عدة أولها البنوك والشركات المقرضة, أما الطرف الثاني فهم المقترضون, الذين في الغالب هم من الفقراء ومحدودي الدخل, أما الطرف الثالث فهم حاملو الأسهم والسندات الذين اشتروا سندات أموال القروض التي أصبحت أموالاً ضائعة, ولا يمكن سدادها, أما الطرف الرابع فهو شركات التأمين التي أخذت أموالاً من حملة السندات بهدف تأمين سداد ما يقابل السندات التي يحملونها, لكن النتيجة التي انتهى إليها الجميع هي الخسارة, فالمقترض فقد أمواله التي دفعها, وأخذت منه البضاعة سواء كانت بيتاً, أو سيارة, أو غيرها, والبنك المقرض استرد البضاعة لكنها فقدت كثيرا من قيمتها السوقية, وحاملو السندات يحملون سندات لأموال لا أمل في استردادها, ولا يمكن بيع هذه السندات لأنه لا يوجد من يشتريها, أما شركات التأمين فهي كعادتها تكون قد أمنت نفسها بحيل قانونية مكتوبة بخط صغير لا يمكن قراءته حتى بالمكبرات.
المسألة تقوم في الأساس على عملية البيع, والشراء ونسبة الربح الذي يقتنع به البائع ويستطيع دفعه المشتري, إضافة إلى آلية ترتيب الدفع الآجل, وهذا تحدده الثقافة السائدة في المجتمع, التي في ضوئها تشكلت ذهنية أفراد المجتمع ونفسياتهم, فهل الجشع هو الأساس, أم القناعة في التعامل بيعاً وشراءً بين الناس والتيسير في ذلك "وأحل الله البيع وحرم الربا" "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسره", هل هذه الأسس الشرعية حاضرة في أسواق المال الأمريكية التي ضربها الإعصار, أم أن الربا هو الأساس الذي قامت عليه؟! ردود الفعل وعمليات التحليل التي اطلعت عليها أشارت إلى الفائدة ونسبتها, التي قصمت ظهر البعير ما أفقد الناس الثقة بأسواق المال, وأعجزهم عن سداد المستحقات التي عليهم, ولذا نجد أن من الإجراءات التي بادر إليها المجلس الاحتياطي الأمريكي والبنوك المركزية في كثير من الدول هو تخفيض نسبة الفائدة لإعادة الثقة, وتشجيع الناس على الشراء والتعامل مع المؤسسات المالية, لكن هذا إجراء قد تكون فائدته مؤقتة, لذا لا بد من معالجة المرض من جذوره وليس من خلال الأعراض, كما تم إيقاف البيع على المكشوف لفترة محددة. إن فهم الأزمة على حقيقتها ومحاولة معالجتها يتطلب معرفة الرأسمالية والليبرالية فلسفة وثقافة وآليات.
السياسيون في العالم كان لهم ردود فعل إزاء ما حدث في أمريكا, فرئيس الوزراء الروسي بوتن قال إن من تسبب في هذه المشكلة نظام غير مسؤول, أما الرئيس الفرنسي ساركوزي فطالب بإيجاد قيادة عالمية بدلاً من ترك القيادة لأمريكا وهي التي ورطت العالم, وأدخلته في نفق لا أحد يعلم نهايته إلا الله. كما أن بعض زعماء العالم رأى أن تترك أمريكا لتحل مشكلتها بنفسها. هذه الأزمة طالت مفاصل النظام المالي الأمريكي, وأوروبا واليابان والدول المرتبطة بأمريكا, ولذا عقدت الاجتماعات والمناظرات والتحليلات إلا أن ردود الفعل في العالمين العربي, والإسلامي كانت بطيئة, وغير واضحة عدا تطمينات قد لا يكون لها أساس, خاصة أن كثيرين يعلمون الارتباط العضوي القوي بين اقتصادات كثير من الدول العربية, والاقتصاد الأمريكي, خاصة الودائع المالية الضخمة, والاستثمارات في الأسهم, والسندات, والبنوك, والشركات الأمريكية, ما يعني أن الآثار السلبية قادمة, وما انهيار أسواق الأسهم في المنطقة إلا مؤشر على هذه العلاقة. أعتقد أن هذه الأزمة فرصة لنا نحن العرب والمسلمين كي نقدم نظاماً مالياً واقتصادياً للعالم بدلاً من التفرج على الأزمة والاكتواء بنارها. العالم بعد هذه الأزمة يتطلع إلى نظام جديد يحفظ أمواله ويستثمرها لصالح الإنسانية بدل أن تكون خاصة بفئة, أو مجموعة شركات ربوية, ولذا أقسام الاقتصاد, والمال في الجامعات, وكليات الإدارة, والأعمال, والبنك الإسلامي للتنمية, والمتخصصون في الاقتصاد الإسلامي تقع عليهم مسؤولية دراسة هذه الأزمة والتعرف على حقيقتها والعوامل الكامنة وراءها وعقد الندوات والمؤتمرات وورش العمل التي تستهدف جلاء الحقيقة في الأمر وتقديم نظام يشكل حلاً لأزمة العالم إن لم تكن أزمة تهدف للسيطرة والاستيلاء على أموال دول النفط التي أودعت في البنوك الأمريكية بقصد أو دون قصد. كما أن الأمر يتطلب تفسير أين انتهت هذه الأموال (من حوشها)؟ وإلى متى سيظل العالم تحاط رقابه بالسلاسل ويجر إلى المجهول المظلم؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي