رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأزمة المالية الأمريكية .. والعبر المستفادة!

[email protected]

في الحقيقة، قد نتوقع أن تحدث في إحدى الدول النامية أزمة مالية مرتبطة بالائتمان والرهن العقاري ونحوه، كبيع سندات ديون يصعب استردادها، لكن أن تحدث في معقل الرأسمالية دون معالجة مبكرة لأمر مثير! ربما شعور أمريكا بالتفوق العسكري والاقتصادي لدرجة الغرور أدى إلى انشغالها بأمور خارجية جعلتها "تنسى نفسها". فبالفعل أدى هذا الشعور إلى تقهقر أداء الولايات المتحدة على مؤشر التنمية البشرية من المرتبة السادسة بين دول العالم عام 2000م إلى المرتبة الثامنة عام 2004م، ثم إلى المرتبة 12 عام 2007/2008. كما أن انشغال أمريكا بالحروب في العراق وأفغانستان جعلها تتأخر في معالجة الأزمة المالية على الرغم من ظهور أعراضها منذ 2007, أو حتى قبل ذلك.
أعتقد أن السبب الجوهري وراء الأزمة الأمريكية هو نمط الاستهلاك غير المعقول، الذي يعتمد على مفهوم "الاستمتاع بالحاضر على حساب مقدرات المستقبل". ففي حين يمثل سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 304 ملايين نسمة نحو 4.5 في المائة من إجمالي السكان في العالم، فإنها أضخم مستهلك ومنتج للمخلفات في العالم. نعم، إن استهلاك الولايات المتحدة للموارد الطبيعية يتجاوز حدود الاستدامة من جهة، وقدرة النظام البيئي على امتصاص التلوث المنبعث نتيجة الاستهلاك المرتفع، من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، تستهلك الولايات المتحدة ربع إجمالي الطاقة المستهلكة في جميع دول العالم، وتسهم بنحو 20 في المائة من إجمالي ما يُطلق من غاز ثاني أكسيد الكربون الملوث للهواء. كما يتلف الأمريكيون 200 مليون طن سنوياً من الغذاء الصالح للأكل، أي 27 في المائة من إجمالي استهلاك الغذاء في الولايات المتحدة. باختصار، لو اتجه الناس في العالم إلى الاستهلاك بمعدل استهلاك الفرد الأمريكي لتطلب الأمر خمسة كواكب أرضية فيها مقدار الموارد الطبيعية المتاحة في الأرض. إذن فالاستهلاك الضخم في الولايات المتحدة يؤثر في الاستدامة في المستقبل (أي أنه على حساب الأجيال المقبلة) كما أنه يستنزف موارد العالم (أي أنه على حساب سكان كوكب الأرض الآخرين).
لذلك شكل الرئيس الأمريكي عام 1993 ما سُمي "مجلس الرئيس للتنمية المستدامة" President's Council on Sustainable Development لاقتراح توصيات تساعد الولايات المتحدة على دفعها نحو التنمية المستدامة الفاعلة. وتوصل هذا المجلس إلى توصيات رئيسة، من ضمنها: "التحرك نحو زيادة الفاعلية في إنتاج واستهلاك السلع والخدمات"، مؤكداً ضرورة تغيير نمط الاستهلاك المرتفع.
إن نمط الاستهلاك الحالي في الدول الصناعية عامة والولايات المتحدة خاصة، يضغط على الموارد الطبيعية، ويسهم في التسخين العالمي، ويُنتج مخلفات ضارة تؤثر في نوعية الحياة وكذلك صحة الإنسان في مختلف أرجاء العالم.
وبالتأكيد فإن هذا الاستهلاك المتزايد لمعظم الموارد الطبيعية في العالم من قبل الدول الصناعية من شأنه أن يسهم في توسيع الفجوة بين الدول، ويزيد درجة عدم العدالة في العالم، وربما يؤدي – في النهاية - إلى زيادة الإرهاب نتيجة ظهور مجموعات سكانية ليس لديها ما تفقد!
لذلك ينادي بعض المفكرين في الولايات المتحدة منذ مدة طويلة بضرورة خفض الاستهلاك حفاظاً على استدامة التنمية والعيش الكريم من جهة، ومن أجل تحسين صورة الأمريكيين على المستوى العالمي من جهة أخرى.
وعودة إلى الأزمة الحالية، فإن آثارها لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل إن دول العالم وخاصة اليابان والصين ودول الخليج ستشارك في تحمل فاتورة إصلاحها من خلال شراء سندات ونحوها، إلى جانب ما يتكبده العالم من أزمات مؤلمة، تتطلب عمليات جراحية مكلفة.
في الختام لا بد أن تسعى دول الخليج إلى وضع خطة عمل عاجلة أو تشكيل "لجان عليا" متخصصة لمعالجة الآثار الناجمة عن الأزمة المالية الأمريكية. وربما يتطلب الأمر المحافظة على أسواق المال من "الانهيار الكامل" من خلال تشجيع الصناديق الرسمية بالاستثمار فيها، خاصة بعدما أصبحت أسعار الأسهم دون قيمة الاكتتابات الأولية التي رأت الجهات المسؤولة أنها "عادلة" عند الموافقة على طرحها للاكتتاب. وأخيراً، من المفيد استلهام العبرة مما حدث في الولايات المتحدة، ومن ثم التريث وعدم الاستعجال في تطبيق "نظام الرهن العقاري"، أو فرض "التأمين الصحي"، أو تخصيص "المستشفيات الحكومية" والمؤسسات الطبية التي تُعد من الخدمات الضرورية لكل مواطن. ولا بد أن تبذل دول الخليج جهوداً مضاعفة من أجل التنمية البشرية, لأن الإنسان هو عماد التنمية اليوم وغداً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي