الاقتصاد الخليجي بين الواقعية ومبادئ مدرسة شيكاغو
تصادف في الشهر الماضي أن جاء موعد اجتماع وزراء المالية الخليجيين المهم جدا. مع انفجار الأزمة العالمية التي ضربت الأسواق المالية في كبريات عواصم العالم يوم الإثنين 14 أيلول (سبتمبر) 2008.
ورغم أن الأزمة التي هزت أركان النظام المالي العالمي وقعت قبل يومين من انعقاد الاجتماع التاريخي لوزراء المالية في دول الخليج إلا أن صواعق الأزمة لم تؤثر في القرارات المعدة سلفاً للتوقيع، حيث أصدر الوزراء – بكل ثقة – قراراً تاريخياً بالموافقة على اتفاقية الوحدة النقدية بين دول الخليج.
وطبعاً بعد الانتهاء من الاجتماع كان متوقعاً أن يتسابق الإعلاميون إلى وزراء المالية الخليجيين ويسألون عن رأيهم في صاعقة إعلان إفلاس بنك ليمان براذرز، وكالعادة أجاب بعض الوزراء في هدوء تام بأن ما يحدث في السوق العالمية لن يؤثر سلباً في اقتصادات الدول الخليجية، بل بالعكس امتدح وزير المالية القطري يوسف كمال إفرازات الأزمة على الاقتصاد الخليجي وقال في رباطة جأش إن دول الخليج بعيدة تماماً عن هذه التقلبات التي تؤثر في الأسواق العالمية، كما ذكر أنه ليست هناك صلة بين ربط عملات دول المنطقة بالدولار بقضية التضخم. وأضاف الوزير قائلاً إن بلاده تتوقع انحسار التضخم مع ارتفاع الدولار وتراجع تكلفة الشحن البحري. وأكد أن دول المنطقة تتجه نحو انحسار التضخم نظراً لتحسن سعر صرف الدولار وتراجع تكلفة الشحن، ولأن اختناقات التوريد في دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تنفرج.
ولكن في مواجهة هذه التصريحات التقليدية والهادئة، فإن المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس, الذي حضر اجتماع وزراء المالية لدول الخليج قال إن أسوأ مراحل الأزمة المالية ربما لم يأت بعد، وأن مزيداً من المؤسسات المالية قد تواجه متاعب في الأشهر المقبلة، وأضاف للصحافيين بعد اجتماع مع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في دول الخليج العربية أن الأزمة تهدد بالتأثير في الاقتصاد العالمي رغم أن هناك مؤشرات على المرونة في كل من الدول النامية والمتقدمة، وقال ستراوس إنها أزمة مالية خطيرة جداً، وأضاف أن جذور الأزمة أصبحت وراءنا والجذور هنا في هبوط أسعار المساكن، أما عواقب ذلك على بعض المؤسسات المالية فلا تزال أمامنا، علينا أن نتوقع تعرض مؤسسات مالية أخرى لبعض المشكلات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة حيث تتوقع الأسواق إفلاس المزيد من البنوك.
وواضح من خلال تصريحات المدير العام لصندوق النقد الدولي أنه يخالف التصريحات (السياسية !) لبعض وزراء المالية الخليجيين، ويؤكد أن الأزمة في بدايتها، وأن نتائجها الأسوأ ستحدث في غضون الأسابيع أو الأشهر المقبلة، بل أكثر من هذا، فإن آسيا وأوروبا وأمريكا تحركت بما يؤكد أن الأزمة ستصل إلى محافظها وخزائنها المالية، حيث بادرت اليابان وأستراليا والهند منذ ثاني يوم من الأزمة بضخ 33 مليار دولار في أسواق المال بعد خطة الحكومة الأمريكية لإنقـاذ شركة التأمين إيه. أي. جي التي لم تنجح في تخفيف أزمة السيولة في الأسواق الأمريكية. بينما كانت البنوك المركزية في جميع أنحاء آسيا تتحسب لاضطرابات في الأسواق, وحذر بنك كوريا المركزي من أن الأموال الأجنبية ستواصل فرارها من أسواق السندات المحلية، كما أضافت الهند عملية جديدة لأسواق المال لتحسين حرية وصول البنوك إلى الأموال، أما تايوان فقد سمحت للبنوك بإقراض حصة أكبر من ودائعها في محاولة لدعم عملتها وأسواق الأسهم، بينما ظل نقص السيولة في الأسواق في إطار تكهنات بأنه لا توجد في الأفق نهاية وشيكة لأزمة الائتمان المستحكمة منذ 13 شهراً. ولقد توقف الإقراض بين البنوك تقريباً قبل أيام عندما تزامنت أزمة الائتمان العالمية في دفع بنك ليمان براذرز لإشهار إفلاسه.
وفي واشنطن أعلنت عشرة مصارف تجارية واستثمارية دولية أمريكية وأوروبية كبيرة تأسيس صندوق يحتوي 70 مليار دولار تستطيع الاستعانة به إذا ما واجهت خطر نقص في السيولة. وقالت هذه المصارف في بيان مشترك إنها قامت بسلسلة من الخطوات لتأمين السيولة والحد من تأثير التقلبات غير المسبوقة وغيرها من التحديات التي تواجه أسواق الإقراض. وأضافت المصارف أن كلا منها سيمول هذا الصندوق بسبعة مليارات دولار ويمكن الحصول على ثلث المبلغ الذي أودعه إذا كان في حاجة إلى المال، كما أن المصارف ستلجأ إلى تسهيلات إعادة التمويل من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
والحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها هي أن السبب الرئيس لهذه الكارثة التي ستحرق بلهيبها ملايين الفقراء في العالم هو الحل أو الوهم الأمريكي الذي دفع ملايين الأمريكيين إلى التوسع في الإنفاق الاستهلاكي اعتماداً على الاقتراض بأسعار فائدة مرتفعة سواء لشراء عقارات أو سيارات حتى جاءت اللحظة التي عجز فيها ملايين الأمريكيين عن سداد تلك القروض فوقعت البنوك الأمريكية ومعها كثير من البنوك العالمية تحت وطأة تراكم الديون المعدومة فأفلس بعض هذه المؤسسات وتم بيع البعض الآخر وتدخلت الدولة الأمريكية – كما أوضحنا – بكسر قواعد النظام الرأسمالي واتخذت سلسلة قرارات بتأميم عدد من الشركات، وبذلك تحلل النظام الرأسمالي من أهم رواسخه وهو عدم التدخل وترك الأوضاع لقوى السوق للقيام بالتدخل ووضع الحلول.
واضح أن التصريحات الخليجية ما زالت تعتمد في رؤيتها للأزمة المالية العالمية على مبادئ مدرسة شيكاغو التي يرأسها الاقتصادي الأمريكي ملتون فريدمان, التي بدأت مع بدء إدارة المحافظين الجدد أو النقديين الجدد التي يتزعمها الرئيس الأمريكي جورج بوش، وترى مدرسة شيكاغو – كما أشرنا - أن آليات السوق هي الكفيلة، بعلاج كل المشكلات الاقتصادية الطارئة ، وأنه يجب أن تتوافر للسوق الحرية الكاملة كي تتحرك آلياتها لعلاج المشكلات الطارئة بشرط أن تكون السوق بمنأى عن تدخل الحكومات حتى ولو جاء هذا التدخل بدعوى حماية الاقتصاد القومي من الكوارث المالية.
ونستطيع القول إن نظرية مدرسة شيكاغو سقطت وإن الحكومة الأمريكية، وكل الحكومات الضالعة في النظام الرأسمالي شمرت عن سواعدها وتدخلت بسلسلة قرارات اشتراكية، وطلبت من الكونجرس اعتماد مبلغ 700 مليار دولار بصورة عاجلة لإنقاذ القطاع المصرفي والحكومة الأمريكية من السقوط في وحل الخسائر والتفليسات، الأكثر من هذا أن الحكومة الأمريكية لم تكتف بالتدخل بل طالبت حلفاءها في أوروبا بضرورة التدخل وضخ الأموال اللازمة في الأسواق للحيلولة دون سقوط القطاعات المصرفية، وإلا فإن كارثة الركود الاقتصادي تكشر عن أنيابها وستبدأ أعمالها كي تطيح بالنظام الرأسمالي الدولي.
وبعيداً عن الكلام السياسي الذي درجنا على سماعه من الماليين الخليجيين والمسؤولين العرب، فإن الأسواق المالية الأمريكية والعالمية لا شك أنها صدمت بنبأ إعلان مصرف ليمان براذرز الاستثماري العملاق أنه يتلمس حماية الفصل الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي، وبذلك يلحق هذا المصرف العريق بمؤسسات مالية ومصارف أخرى أفلست نتيجة أزمة الرهن العقاري التي ألحقت أفدح الأضرار بالقطاع المالي الأمريكي.
مصرف ليهمان براذرز يقع في قلب النظام المالي الأمريكي حيث إنه متداول رئيس لسندات الخزانة الأمريكية، كما أنه مغط كبير للديون العقارية, إضافة إلى أنه يمارس نشاطاً مهماً في نطاق إدارة الأصول والصيرفة الاستثمارية، وسقوط هذا البنك ستكون له آثار سلبية طويلة ألأمد على القطاع المالي الأمريكي والعالمي ويخشى بعض المحللين من تأثير الدومينو Domino Effects حيث تتعثر مؤسسات أخرى نتيجة استمرار أزمة الرهن العقاري وتبخر السيولة من الأسواق.
وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الذي طرحناه: ما تأثير هذه الأزمة في الأسواق الخليجية؟ وما المبادرات التي سنتخذها، إذا ما طرحت الحكومة الأمريكية سندات لإنقاذ المؤسسات المصرفية الأمريكية؟ فهل ستتقدم دول الخليج لشرائها؟ والسؤال الأهم الذي يشغل الرأي العام السعودي هو: هل توجد استثمارات للبنوك السعودية في بنك ليمان براذرز؟ وإذا وجدت فما حجم هذه الاستثمارات وما الإجراءات التي سنقوم بها للحصول على أموالنا من برنامج حماية الدائنين في المحكمة الدولية؟
ما سمعناه حتى الآن هي جملة تصريحات (سياسية !!) تؤكد أنه لن يلحق الاقتصاد الخليجي أي ضرر من أزمة مالية عالمية تؤكد كل دول العالم أنها ستلحقها أضرار جسيمة إن لم تعالج المشكلات المسببة لها، بل إن بعض دول أوروبا وأمريكا وآسيا – كما أوضحنا –اتخذت مبادرات جادة للحيلولة دون وصول نتائج الزلزال المدمر إلى سواحلها المالية.
وإذا كانت الأزمة المالية العالمية لم تنته بتدخل "الفيدرالي الأمريكي" بضخ 85 مليار دولار لإنقاذ شركة أمريكان إنترناشيونوال جروب (إيه إل جي) من الإفلاس ولم تنته لأن البنوك المركزية في الهند واليابان وأستراليا بادرت بضخ نحو 33 مليار من الدولارات في أسواق المال في اليوم الأول من الأزمة كيلا تصاب الأسواق بأضرار أكثر خطورة على اقتصادات هذه الدول، ولم تنته بعد أن أعلنت عشرة مصارف تجارية واستثمارية دولية في أمريكا وأوروبا تأسيس صندوق برأسمال 70 مليار دولار، فإن المطلوب من دول الخليج أن تتحرك حتى لا ينفرد بها الإعصار، لأن البنوك والمصارف المالية في دول الخليج جزء لا يتجزأ من النظام المصرفي العالمي، وليس على رأس مصارف وبنوك الخليج ريشة!.