خطة بريطانية بـ 100 مليار دولار لتخفيف أزمة الائتمان
لم يستبعد محللون اقتصاديون انتعاشا في اقتصاد الولايات المتحدة قبل نهاية العام الجاري، لكن أحدهم أكد أنه "علينا التريث لحين الوقوف على أوضاع المؤسسات المالية العالمية" لتحديد اتجاه الاقتصاد الأكبر عالميا، وأن الأسابيع المقبلة "ستكون حاسمة في تحديد التأثر (الاقتصادي)".
وقال محمد العنقري المحلل الاقتصادي إن الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية في عدد من العواصم العالمية الكبرى "استبقت الأسوأ... إنها تمتص الأسوأ"، ولم يستبعد تعافي الاقتصاد الأمريكي في "غضون أشهر".
وزاد "إن الاقتصاد العالمي بات يدخل في حركة تصحيحية.. بعد أن كان النمو يرتكز في السابق بشكل كبير إلى الولايات المتحدة فإن كعكة النمو تتقاسمها حاليا دول عديدة، ومنها الصين والهند والبرازيل". ويبدي تفاؤلا في نمو الاقتصاد الأمريكي خلال الربع المقبل (الثالث)، وأنه تبعا لتعافي الاقتصاد الأمريكي، توقع أن تنتعش اقتصادات عديدة حول العالم.
واستبعد العنقري تأثر الأسواق الخليجية بتداعيات أزمة الرهن العقاري بالقول:" أغلب المؤشرات تخلص إلى التفاؤل بالنمو الاقتصادي في المنطقة"، وفي السعودية "إجراءات مؤسسة النقد التي تتخذها مع المصارف صارمة"، إضافة إلى أن عوامل المخاطرة في المصارف السعودية "تكاد تكون معدومة".
وفي سياق ذي صلة، عرض بنك إنجلترا المركزي مبادلة سندات حكومية بقيمة 50 مليار جنيه استرليني (100 مليار دولار) بديون الرهن العقاري لدى البنوك في محاولة لتخفيف تأثير أزمة الائتمان العالمية في القطاع المصرفي في بريطانيا.
وقال البنك المركزي أمس، إنه يعرض مبادلة السندات الحكومية بمجموعة من الأصول المصرفية ذات القيمة العالية بما فيها الرهون العقارية التي ترتفع فيها نسبة المخاطرة.
وستكون عملية مبادلة الأصول لمدة عام وربما يتم تجديدها لإجمالي ثلاث سنوات من أجل مساعدة البنوك التي تعجز الآن عن التخلص من ديون الرهن العقاري التي تفتقر حاليا للجاذبية.
وهنا أكد الدكتور ياسين الجفري ـ الخبير المالي ـ أن الخطوة تهدف إلى حماية" البنوك البريطانية "في ظل المعايير الصارمة في قوائم الإفصاح وبازل2"، وقلل في الوقت ذاته من تأثير الخطوة على أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة "أستطيع التأكيد أنها (الخطوة) لن تؤثر في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة". وحث الخبير السعودي الدول على اتخاذ إجراءات مماثلة. وكان ميرفين كنج محافظ بنك إنجلترا المركزي قد أكد في بيان "إن نظام السيولة الخاص لدى بنك إنجلترا مصمم لتحسين حالة السيولة في النظام المصرفي وتعزيز الثقة بالأسواق المالية مع ضمان تحمل البنوك مخاطر الخسائر من القروض التي قدمتها".
ونظام السيولة هذا مضمون من وزارة الخزانة البريطانية ولكن مصمم بحيث يتفادى تحمل القطاع العام مخاطر أي خسائر محتملة.
وقال محللون إن الخطة قد تعزز معنويات السوق ولكنها لن تمحو آثار أزمة الائتمان. وقال الان كلارك الاقتصادي في بي.إن.بي باريبا "هذا لن يمحو الضرر الذي حل بالفعل بالاقتصاد. ربما يحول فقط دون مزيد من التدهور في الأمور".
وكان دومينيك شتراوس كان، مدير صندوق النقد الدولي، قد قال إن معالجة أزمة الرهن العقاري تتطلب تدخلا حكوميا على الصعيد العالمي، إذ إن الحاجة إلى مثل هذه الخطوة "قد أضحت أكثر جلاء من ذي قبل".
وأضاف أنه من شأن تدخل الحكومات أن يقدم المزيد من الدعم والمساندة لسوق الضمان والقطاع العقاري في العالم.
وقال إن مثل هذا التدخل، إضافة إلى الخطوات التي تتخذ في قطاع المصارف، تقدم ما يمكن أن يُطلق عليه "خطا دفاعيا ثالثا".
من جهته، قال جاستن أورجوهارت ستيوارت، من مؤسسة "سيفين إنفيستمنت مانجمينت" المختصة بإدارة الاستثمارات، إن اقتراح شتراوس كان يحتاج إلى "عمل منسق وفاعل بشكل أكبر بين الحكومات".
وقال ستيوارت "لقد انتقلنا من فكرة وجود مصارف تقوم بمجرد ضخ المزيد من المبالغ النقدية إلى مرحلة التدخل في المناسبات والحالات الغريبة، ومن ثم إلى الخط النهائي حيث نقول إننا نتخذ موقفا يساند هذه الخطوات ونتدخل بشكل رسمي في الأسواق بغرض حمايتها".
وأضاف: "بدل انتظار المصارف لتقوم بالتصرف الخطأ بشكل انفرادي وتسير الأمور فيها على غير ما يُرام، فإن البنوك ذات الأداء الضعيف ستحتاج إلى المزيد من المساعدة، وهذا يعني المضي قُدما إلى أبعد من مجرد تقديم السيولة المالية لها وللأسواق".
وعدت الخزانة الأمريكية بزيادة عمليات مراقبة النظام المالي وضبطه لمواجهة أية أزمات اقتصادية مستقبلية.
ويأتي اجتماع صندوق النقد الدولي في واشنطن بُعيد أيام فقط من إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن خطة تتضمن تعديلات للقوانين التي تحكم القطاع المالي في البلاد، وهي التغييرات الأكبر من نوعها في أمريكا منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وكان منتقدو السياسات المالية الأمريكية قد أعربوا عن اعتقادهم بأن انهيار أسواق الائتمان والاضطراب المالي الذي تتبعه هو الذي أدى إلى هذا التغيير.
وتستهدف الخطة، التي أعلن عنها وزير الخزانة هنري بولسن يوم الإثنين الماضي، تعزيز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) وإعطاءه صلاحيات جديدة واسعة تتعلق بإشراف أوسع على جميع أنواع المؤسسات المالية بما في ذلك شركات التأمين.
وتشمل هذه الصلاحيات أيضا تطبيق مراقبة أكثر صرامة على الأسواق المالية بهدف تجنب كوارث على غرار الفوضى التي تشهدها سوق الرهن العقاري حاليا.
وكانت "ستاندرد آند بورز" قد أكدت في تقرير نشرته في منتصف آذار (مارس) الماضي، أن عمليات شطب الرهون العقارية عالية المخاطر قد تصل إلى 285 مليار دولار لكن نهاية إسقاط الأصول باتت وشيكة بالنسبة للمؤسسات المالية الكبرى. وأضافت وكالة التصنيفات الائتمانية أن بعض عمليات الشطب أكبر من أي تقدير معقول للخسائر الفعلية. وأشارت إلى أن تدهور أسواق الإسكان والائتمان الأمريكية يطغى عليها التأثير الإيجابي لإفصاحات القروض عالية المخاطر.
وبدورها ذكرت مؤسسة "جونز لانج لاسال" الاستشارية في قطاع العقارات في أحدث تقرير لها عن العقارات في منطقة آسيا والمحيط الهادي أن الأسواق الآسيوية قاومت العاصفة التي اجتاحت أسواق المال العالمية العام الماضي بفعل أزمة قروض التمويل العقاري عالية المخاطر في الولايات المتحدة وأنه من المتوقع أن تنمو بشكل طيب هذا العام.
وقالت المؤسسة وهي واحدة من الشركات الاستشارية الرائدة في قطاع العقارات في القارة إن "النمو في قيمة رأس المال والإيجارات خلال الأشهر الاثني عشر الماضية كان قويا بشكل عام حيث تجاوز التوقعات في بعض الأسواق على الرغم من ثبات العائدات أو انخفاضها، كما أن حجم الاستثمارات في آسيا والمحيط الهادي ساهم أيضا في تحقيق أداء طيب خلال العام الماضي".
وكانت بانكوك هي السوق التي شذت عن هذا الاتجاه. وقال المدير العام للشركة سوفين ميشوشيب إنه "على عكس معظم المدن في آسيا والمحيط الهادي شهدت سوق العقارات في بانكوك أداء ضعيفا خلال الأشهر الاثني عشر الماضية في ظل تباطؤ نمو الطلب". وأرجع محللون تراجع أداء سوق العقارات في العاصمة التايلاندية إلى حالة الغموض السياسي التي اكتنفت البلاد والمخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف المعيشة وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي وارتفاع قيمة الباهت.