النظام الرأسمالي الغربي .. يترنح!
إن الأزمة المالية التي تعرض لها الاقتصاد العالمي, والتي تفجرت الإثنين 15 أيلول (سبتمبر) 2008 بإعلان إفلاس بنك ليمان براذرز ليست مفاجأة للأسواق العالمية، حتى الإعلام السعودي وبالذات صحيفة "الاقتصادية" التي بادرت وحذرت مراراً من تفاقم أزمة الرهن العقاري على الاقتصاد الأمريكي خاصة والاقتصاد العالمي عامة.
لقد بدأ شرر الأزمات المالية العاصفة في البنوك الأمريكية يتطاير منذ سنتين حينما حذر الخبير الأمريكي في البنك الدولي جوزيف ستجليتز من أن الاقتصاد الأمريكي يتعرض لمشكلات عاصفة، وفي منتصف العام الماضي 2007 طفق الخبراء والمتخصصون في كل أروقة أسواق المال يحذرون ويتمنون على إدارة الصقور في الولايات المتحدة أن تتخذ تدابير عاجلة حتى لا تنفجر الفقاعات التي تحيط بالنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، ولكن التحذيرات لم تجد – مع الأسف الشديد – آذاناً صاغية من قبل ما يمكن أن نسميهم النقديين الجدد في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش, الذي يبدو أنه كان مشغولاً بسلسلة الإخفاقات التي مني بها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، ولذلك ما إن حان يوم الإثنين 15 أيلول (سبتمبر) إلا وانفجرت أكبر الفقاعات وهي فقاعة بنك ليمان براذرز الذي أشهر إفلاسه على العالم. وفي خطوات لاحقة وسريعة أغلقت الحكومة الأمريكية مؤسسة واشنطن ميوتيوال في أكبر انهيار في التاريخ المصرفي الأمريكي وبيعت أصولها المصرفية لبنك الاستثمار جيه بي. مورجان مقابل 1.9 مليار دولار في محاولة يائسة لحماية القطاع المصرفي من مشكلات ديون الرهن العقاري المتعثرة.
ولأن الأزمة لم تكن - كما ذكرنا – وليدة الساعة فقد اجتمع في آب (أغسطس) 2007 في مدينة صغيرة في ألمانيا تسمى لينداو على الحدود السويسرية النمساوية 15 من كبار العقول الاقتصادية في العالم من الحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد من بينهم الدكتور محمد يونس مؤسس بنك جرامين "بنك القرية" في بنجلادش، وانضم إليهم نحو 300 من الشباب الباحثين والدارسين للأنشطة الاقتصادية وعقدوا فيما بينهم ورش عمل لمناقشة الأحداث الاقتصادية العالمية الكبرى ومؤشراتها وما تفرضه من مراجعات جادة بهدف الرغبة في الوصول إلى تصويبات عاجلة للمفاهيم التقليدية لنظرية الحرية الاقتصادية واقتصاديات السوق، إضافة إلى تحديد المسؤوليات الملقاة على عواتق الحكومات لدحض الدعاوى والأوهام الكاذبة عن آليات السوق وقدرتها الكاملة على تصويب الأخطاء بصورة تلقائية دون أن تتدخل الحكومات.
وعلى الرغم من اختلاف المدارس الاقتصادية لهؤلاء الاقتصاديين الحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد, إلا أن رؤيتهم لأزمة الرهن العقاري وتداعياتها على البورصات والمعاملات والائتمان المصرفي وزعزعة البنوك والمؤسسات المالية الكبرى كانت شبه متوافقة إلى حد بعيد, خاصة فيما يتعلق بضرورة الإسراع في العلاج حتى لا تؤدي أزمة الرهن العقاري إلى أزمة مالية واقتصادية شاملة، وأوصت مجموعة نوبل بضرورة التدخل العاجل من قبل الحكومات لأن قوى السوق لا تستطيع أن تحل أزمات بهذا الحجم، وهو الأمر الذي لا يقتصر فقط على التمويل والإقراض ولكنه يمتد بشكل أساسي إلى تنظيم أعمال السوق والمعاملات وإلى وضع ضوابط وقيود على خطط التسويق العقاري والمالي، وكذلك المطالبة بالضبط والسيطرة على أنشطة الترويج وما يرتبط بها من معاملات وأعمال لضمان سداد القروض وعدم تعثرها وضمان معقولية الأسعار وعدم انفلاتها.
ولعل ما يلفت النظر في توصيات مجموعة الحاصلين على نوبل هو الإشارة بقوة إلى عمليات الغش والتدليس وغياب الشفافية والخداع التي مارسها بعض مجالس إدارات البنوك والشركات الكبرى باعتبارها عناصر رئيسة وحاكمة لكارثة الفقاعة العقارية, والاعتراف بأن زبائن سوق العقار تعرضوا لخدعة كبرى من الشركات والمؤسسات العقارية العاملة في سوق العقار، ولذلك يجب ألا يدفع دافعو الضرائب الثمن، بل يجب أن يدفع الثمن أعضاء مجالس إدارات الشركات والمصارف العقارية.
ولقد أكدت مراكز الأبحاث أن الأزمة التي يتعرض لها النظام المالي العالمي هي أزمة من الوزن الثقيل إذا لم يباشر العالم بتنفيذ روشتة صارمة للعلاج في مقدمتها التأكيد على المشكلات الهيكلية للأجهزة المصرفية والمؤسسات المالية الدولية، يعني اتهام هذه الأجهزة والمؤسسات بعدم الكفاءة في إدارة المخاطر المالية، ويعني أيضاً عدم كفاية نظم التحوط المالي، وهذا يستدعي ضرورة إعادة تنظيم شامل للجهاز المصرفي العالمي وتحديد دور جديد للبنوك المركزية وإعادة النظر في القوانين والتشريعات واللوائح ونظم المتابعة والرقابة والضبط.
في مواجهة ذلك فإن التصريحات المتسارعة التي جاءت على لسان أكثر من مسؤول خليجي عن أن الانهيار الذي ضرب بنك ليمان براذرز الذي يعده المراقبون مقدمة لسلسلة من الانهيارات في أمريكا وأوروبا، التي جاء فيها أن المصارف الخليجية بعيدة عن أي أضرار قد تنشأ عن إفلاس البنوك والمؤسسات المالية في أمريكا وأوروبا.
نقول إن هذه التصريحات تحتاج إلى إعادة النظر كما يحتاج المسؤول الخليجي إلى ألا يتسرع ويدلي بتصريحات جاهزة ومقولبة وموجودة في أدراج المكاتب.
فالعالم اليوم لم يعد جزراً متباعدة، بل هو قرية كونية تتأثر وتؤثر في كل العلاقات الاقتصادية التي تتداولها الأسواق. ومن غير المتصور أن الاقتصـاد الخليجي لا يتأثر بانهيار مصرف وثان وثالث من الوزن الثقيل في بلد كالولايات المتحدة يعد اقتصادها هو الاقتصاد الأضخم على مستوى العالم, ولا سيما إذا كانت دول الخليج ترتبط بعملتها الدولارية وترتبط بسلسلة واسعة من العلاقات الاقتصادية ابتداء من العلاقات مع شركات البترول ومع كبريات الشركات العالمية ومع كبريات البنوك والمصارف، ناهيك إذا كانت شبكة العلاقات تمتد إلى أوروبا وآسيا والعالم كله. أقول إن علاقات بهذا الحجم لا بد أن تمتد تأثيراتها إلى كل قنوات اقتصاداتنا الخليجية.
إن ما يطرح الآن من إفرازات لهذه الأزمة هو احتمال أن تعود - لا سمح الله - إلى كساد كبير يذكرنا بالكساد العالمي عام 1929 وما تلاه من الكساد الكبير الثاني عام 1936. وهذا الكساد وذاك .. تركا اقتصادات الدول الصناعية الكبرى، في ذلك الوقت صحراء جرداء من الشركات الصناعية والتجارية والمؤسسات المالية والبنوك التي أعلنت إفلاسها وتركت عشرات الملايين من الجوعى والفقراء. ويومذاك عانت الدول الرأسمالية معدلات تضخم شديدة الانفلات وأسعار الصرف المنهارة بغير قوة شرائية للنقد، إضافة إلى معدلات البطالة التي تفوق الخيال، وترك الجزء الأكبر من القوة العاملة بغير عمل ودون وظائف، وبالتالي بغير مورد للرزق لمواجهة احتياجات ومتطلبات الحياة الضرورية، على المستويات والتخصصات والمهن والحرف والأعمال كافة.
هذه هي الصورة التي كان عليها الاقتصاد الدولي في الأزمة التي وقعت في القرن قبل الماضي، ورغم بشاعة الأزمة فإن النقديين الجدد في الإدارة الأمريكية الحالية عجزوا وحدهم عن مواجهة الصاعقة المالية المدمرة، فطالبت واشنطن الدول الرأسمالية الكبرى بالعمل على إعداد خطة إنقاذ لحماية مؤسساتها المالية المُتعثرة، بل اقترحت الإدارة الأمريكية على الدول وضع خطة إنقاذ مشابهة للخطة الأمريكية لحماية نظامها المالي، والأسواق العالمية.
ومن ناحيتها, كشفت وزارة الخزانة الأمريكية في بيان لها عن تفاصيل الخطة الحكومية التي تصل تكلفتها إلى 700 مليار دولار لإنقاذ القطاع المصرفي في الولايات المتحدة وأشار البيان إلى أن الخطة تقضي بمنح وزير الخزانة هنري بولسون السلطة وبالتشاور مع رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" بن برنانكي لشراء أصول هالكة لمصارف مرتبطة بالرهن العقاري وغيرها من الأصول لضمان استقرار أسواق المال، أي أن النظام الرأسمالي تحلل من مبادئه الأساسية ودخل في دهاليز النظرية الاشتراكية، التي تقوم على تأميم الشركات والمؤسسات والمصانع. ولذلك فإن الخطة تمنح الإدارة الأمريكية هامشاً كبيراً في تحديد المؤسسات المالية, التي تستحق أن تتقدم إليها الحكومة بشراء جزء من أسهمها.
في مواجهة ذلك فإن مجموعة نوبل الاقتصادية ترى أن هذه الحلول ساذجة، وأن العالم يتجه إلى سلسلة إفلاسات لكبريات المصارف العالمية التي سوف تأخذه إلى ركود اقتصادي واسع الأرجاء يكون بمثابة مقدمة لكساد كبير يدمر كل قواعد النظام الرأسمالي الغربي، ويدخل العالم في مساحة من التوهان حتى يعود إلى رشده ويستعيد مؤسساته وشركاته في ظل نظام اقتصادي دولي جديد.