لعلاج الاختناقات المرورية .. إنشاء ( 5 ) مراكز فرعية في العاصمة
اعتمدت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، مبدأ التحول في التخطيط المستقبلي للمدينة من النمط الأحادي المركزي، إلى النمط اللا مركزي، وذلك من خلال إنشاء خمسة مراكز فرعية تكون بمثابة مناطق عمرانية ذات أنشطة وخدمات متنوعة، تستوعب نحو مليون نسمة في دائرة يصل قطرها إلى نحو 20 كيلومترا، وتحتضن معظم وظائف القطاعين العام والخاص، بما يشمل مختلف المراكز الإدارية والحكومية، والأنشطة الاقتصادية، والخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والترفيهية.
وقررت الهيئة، طرح مواقع المراكز الفرعية في منافسة عامة وفق معايير وضوابط تخطيطية تحقق الرؤية والأهداف الموضوعة لهذه المراكز، وتتميز هذه الضوابط بالمرونة لتتلاءم ورغبات المطورين ومتطلباتهم.
والمراكز تقام ضمن المخطط الهيكلي الذي أعدته الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ضمن نواتج المخطط الاستراتيجي الشامل.
والأراضي الواقعة داخل حدود حماية التنمية بمساحة تتجاوز خمسة آلاف كيلومتر مربع ويغطي احتياجات ما يقارب 7.5 مليون نسمه بحلول عام 1445هـ. ويعكس المخطط الجوانب المكانية والوظيفية للسياسات الحضرية المقترحة، كما يحدد المخطط توزيع استعمالات الأراضي الرئيسة والأنشطة ومراكز العمل ونظام النقل وشبكات المرافق العامة والمتطلبات البيئية والمناطق المفتوحة، ويعنى المخطط بوضع الخطوط الإرشادية التي تقود التنمية الحضرية المستقبلية بجميع جوانبها على مستوى المدينة.
نمط التطور العمراني
يتصف النمط العمراني الحالي لمدينة الرياض، بأحادية المركز والانتشار الأفقي، إذ يتركز التطوير بشكل طولي على ضفتي الطرق الرئيسة التي تربط مركز المدينة بالأحياء السكنية في الأطراف.
كان للنمو السريع الذي شهدته مدينة الرياض، أثر في تكوين شكلها الحالي من حيث توزيع المرافق العامة والمؤسسات الخدمية العامة والكثافة العمرانية وما يتبع ذلك من نشاط اقتصادي فقد كانت عملية إنشاء الجهات والوزارات الحكومية وما يتبعها من مرافق عامة وخدمية التي انطلقت مع بداية الستينيات الهجرية السبب الأساسي في تمركز هذه الوزارات في وسط المدينة كما أسهم الازدهار الاقتصادي الذي شهدته بعض محاور المدينة خصوصا المحور الذي يربط المطار القديم بوسط المدينة والمحور الذي تلاه ويربط وسطها بشمالها في إكمال صورة مدينة الرياض كمدينة ذات مركز حضاري أحادي في وسطها ومحاور أساسية تشكل الأعصاب التجارية.
أحادية مركز المدينة
تأكد وضع مركز المدينة الواحد وترسخ مع مرور الأعوام خصوصا أن المخططات الرئيسة التي وضعت لتوجيه نمو المدينة، انطلقت من مبدأ مدينة ذات مركز وحيد متوسط ومحور أساسي للنشاط الاقتصادي يمتد بين طريق العليا وطريق الملك فهد باتجاه الشمال ولم يلتفت إلى ضرورة إقامة مراكز فرعية في أطراف المدينة.
وأدى هذا النمط إلى مظاهر سلبية عديدة وإشكالات تعانيها المدينة، يأتي في مقدمتها كثافة الحركة المرورية من وإلى وسط المدينة مع تمركز الأنشطة الاقتصادية والإدارية المختلفة وتباعد الأحياء السكنية عنها، مما يضطر السكان لقطع مسافات كبيرة بين السكن والعمل أو مراكز التسوّق والترفيه في المدينة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن سكان مدينة الرياض يقومون ستة ملايين رحلة يومياً. ومع غياب وسائط النقل العام، والاعتماد الكثيف على السيارة الخاصة، ازدادت كثافة الحركة المرورية على محاور الطرق الرئيسة، وأصبحت الاختناقات المرورية في أوقات الذروة ظاهرة يومية مألوفة في بعض المناطق. وتبع ذلك مظاهر سلبية أخرى تمثلت في ازدياد التلوث الهوائي والضوضائي، إضافة إلى تفاقم الضغط على التجهيزات العامة مثل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي وغيرها.
احتياجات نمو متزايدة
وفي ظل نمو المدينة المستقبلي وتزايد عدد سكانها، فإن وسط المدينة ومحاورها الاقتصادية الحالية ستكون غير قادرة على تلبية احتياجات هذا النمو في توفير فرص العمل ومتطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن عدم قدرتها على استيعاب متطلبات الرفاهية والراحة لسكان المدينة.
وإذا كانت المساحة العمرانية المطورة لمدينة الرياض اليوم، لا تتجاوز ألف كيلومتر مربع، ويعاني مركزها الرئيسي وأعصاب أنشطتها عدم القدرة على استيعاب المتطلبات والاحتياجات الوظيفية والمرورية، فإن المشكلة ستكون أكبر مع ازدياد حجم المدينة ووصول مساحتها المطورة إلى الضعف، مما يستدعي وضع استراتيجية فاعلة لتطوير المدينة تتجاوز سلبيات الوضع القائم.
مفهوم المراكز الفرعية
تعرف المراكز الفرعية بأنها مناطق عمرانية ذات أنشطة وخدمات متنوعة تراوح مساحتها بين كيلومترين-2.5 كيلومتر، وتخدم ما يقارب 600 ألف إلى المليون نسمة في دائرة يصل قطرها إلى نحو 20 كيلومترا، تقدم لهم خدمات مدنية شاملة.
وتنطلق الرؤية المستقبلية للمراكز الفرعية من كونها مراكز جديدة مختلطة الاستعمالات ومتعددة الأنشطة والاستخدامات، تحقق بيئة آمنة وجذابة للعيش والسكن، ومزاولة الأعمال التجارية والترفيهية، وتتمتع بكونها مناطق ذات جدوى اقتصادية عالية، وتحقق فرصا وظيفية كبيرة، نظراً لاحتوائها على مراكز أعمال نشطة ومزدهرة تدعم الاحتياجات التجارية والمالية للمدينة، في الوقت الذي تعكس فيه الثقافة المحلية العالية لسكان المدينة.
الرؤية المستقبلية للمراكز
ستقام هذه المراكز في قطاعات المدينة المختلفة، وتأتي في حجم المرتبة الثانية بعد مركز المدينة الأساسي، وستؤسس في ملتقى الطرق الأساسية والشريانية في المدينة، للإسهام في توزيع النمو المستقبلي للأنشطة الرئيسة في المدينة، ومن ثم تخفيف الضغط التنموي على مركز وسط المدينة، وتحقيق استدامة التنمية الحضرية، وتوزيع الوظائف وتيسير الوصول إليها من قبل سكان الأحياء الجديدة البعيدة عن مركز المدينة.
وتتمثل عناصر الرؤية المستقبلية للمراكز الفرعية فيما يلي:
مراكز جديدة مختلطة الاستعمالات.
أنشطة واستخدامات متعددة.
بيئة آمنة وجذابة للسكن.
أجواء مهيأة لمزاولة الأعمال التجارية.
أشكال متنوعة من وسائل الترفيه والمرح.
حاضنات لمؤسسة تعليمية متخصصة.
مزج بين تقاليد البناء المحلية وأنظمة البناء الحديثة.
مراعاة للاعتبارات البيئية.
بنية تحتية متكاملة لجميع وسائل النقل.
جدوى اقتصادية عالية.
وظائف المراكز الفرعية
تشتمل هذه المراكز على وظائف كل من القطاعين العام والخاص، ومن ضمنها احتضانها للمراكز الإدارية والحكومية، والأنشطة الاقتصادية، والمكاتب والشركات والبنوك، ومراكز التسوق، والخدمات الاجتماعية والثقافية والترفيهية. وستضم المراكز الفرعية الجديدة الاستخدامات والوظائف التالية:
الوظيفة الإدارية: يشتمل كل من المراكز الفرعية الجديدة على مركز إداري يضم فروع الإدارات الحكومية والوزارات (بلدية فرعية، فرع لإمارة منطقة الرياض، شرطة، دفاع مدني، بريد، مكتب اتصالات، الخ.)، وستكون المراكز الفرعية بذلك مستهدفة من قبل الإدارات التي تريد تحقيق اللامركزية الإدارية وتبحث عن مواقع فرعية لها.
الوظيفة الاقتصادية: سيوفر كل مركز حضري من المراكز الخمسة فرصاً واسعة لتركيز الأنشطة الاقتصادية المتنوعة التي يتميز بها وسط المدينة، والتي ستكون بذلك في متناول القاطنين في جوارها، دون تكبدهم معاناة الانتقال إلى مسافات بعيدة للوصول إلى احتياجاتهم.
ومن هذه الأنشطة المساحات التجارية والتسويقية والمكاتب والبنوك والشركات. كما يمكن أن يضم المركز مشاريع تطوير كبيرة الحجم نسبيا، تشمل المعارض والفنادق وأماكن التسلية وغيرها.
الوظيفة السكنية: تلافياً لما يحدث في مراكز المدينة بشكل عام، من تحول مناطقه السكنية إلى أنشطة تجارية بحتة، بحيث تنعدم الحياة في هذا الوسط خارج أوقات العمل، ستوفر المراكز الفرعية الجديدة مساكن مخصصة لمختلف الشرائح الاجتماعية التي تفضل السكن بالقرب من المركز، وفق صيغ مختلفة تشمل العمارات السكنية بمستويات جيدة للتأجير أو التملك، الأمر الذي من شأنه جعل المراكز الفرعية غير معزولة عن المناطق السكنية المحيطة بها، بل سيتم تصميمها بمشيئة الله، بطريقة تضمن الخصوصية والسلامة للأحياء المجاورة وتوفر التكامل معها.
الوظيفة الثقافية والترفيهية: استحداث نشاطات ثقافية وترفيهية موجهة نحو جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية، أحد الاحتياجات الملحة لسكان مدينة الرياض، وبشكل خاص لدى الأسر التي تقطن في الأحياء البعيدة عن وسط المدينة.
وستضم كل من هذه المراكز أنشطة ثقافية متعددة كالمكتبات العامة، ومراكز لاحتضان المهرجانات والاحتفالات والمعارض الفنية والأنشطة الأخرى.
كما ستضم تشكيلة من أماكن الترويح العائلي، ومتنزهات عامة وملاعب ومساحات خضراء، تجعل من المراكز نقاط جذب ومقصداً لسكان القطاع الذي يخدمه المركز.
الوظائف التعليمية والصحية: ليس من الضرورة أن تكون مواقع المراكز الفرعية المقر الرئيس لإقامة الجامعات أو الكليات الأهلية أو الحكومية، لكنها هذه المراكز ستكون مهيأة لاحتضان مؤسسات تعليمية كبرى مثل المعاهد التقنية أو الكليات المتخصصة، إضافة إلى المراكز الصحية التي من شأنها إلى جانب خدمة سكان المركز والمحيطين به، خدمة القطاعات البعيدة عن وسط المدينة أيضاً، الأمر الذي سيسهم بعون الله، في تلبية كل احتياجات السكان، وتوفير مشقة تنقلهم إلى أماكن أخرى لقصد هذه الخدمات.
ضوابط المراكز التخطيطية
أقرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، الضوابط التخطيطية للمراكز الفرعية بمدينة الرياض، وإعادة تحديد مواقعها داخل قطاعات مدينة الرياض، وطرح تلك المواقع في منافسة عامة وفق المعايير والضوابط التخطيطية لها.
واشتملت الضوابط التخطيطية للمراكز الفرعية على تحديد الاشتراطات الخاصة باستعمالات الأراضي، وكثافات التطوير، وارتفاعات المباني، إضافة إلى المبادئ والإرشادات المتعلقة بالتخطيط والتصميم العمراني للمراكز الفرعية. وذلك كما يلي:
يجب أن يخدم كل مركز فرعي بحلول عام 1445هـ منطقة فرعية يصل عدد سكانها من 600 ألف نسمه إلى المليون نسمه، وأن يتوافر في هذا المركز الخدمات والأنشطة العالية المستوى اللازمة لسكان كل قطاع.
يجب أن يتوافر في كل مركز عدد من الوظائف وفرص العمل التي تتركز في قطاعات التجارة والمكاتب والخدمات التعليمية والصحية والترفيهية.
تكون الكثافة السكنية العامة مابين 30 إلى 35 وحدة سكنية / هكتار.
يجب ألا تقل نسبة المساحة المخصصة للاستخدامات العامة عن 50 في المائة من المساحة الإجمالية للمركز الفرعي، بحيث تتضمن تلك النسبة المساحات المخصصة للمركز الإداري، والخدمات العامة، والمناطق المفتوحة، والطرق، ومواقع المرافق العامة بما فيها محطة رئيسة للنقل العام.
يجب أن يكون الحد الأقصى لنسبة تغطية الأرض 50 في المائة من مساحة كل قطعة يُرغب في تطويرها داخل المركز.
تشجيع مبادرات القطاع الخاص لإقامة مشاريع متميزة داخل المراكز الفرعية، وتقديم الحوافز للمستثمرين، فإنه يمكن السماح بزيادة عدد الأدوار إلى أكثر من 12 دورا، على أن يتم تقديم الطلبات الخاصة بذلك إلى الهيئة العليا لأخذ الموافقة عليها.
البنية التحتية
يتحمل القطاع الخاص بما فيهم الملاك تطوير كامل البنية التحتية بما فيها الأرصفة، والتشجير، والإنارة، والسفلتة، وشبكات الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، وتصريف السيول لكامل مخطط المركز الفرعي، وأن يكون ذلك وفقاً للمواصفات الفنية المعتمدة من الأجهزة المختصة.
يجب توفير شبكة طرق محلية ذات كفاءة عالية وتدرج هرمي واضح.
يجب ربط شبكة الطرق المحلية على نحو ملائم بشبكة الطرق الشريانية الرئيسة للمدينة.
يتم تأمين مواقف للسيارات بواقع موقف سيارة واحدة لكل 25 مترا مربعا من الاستعمالات المكتبية والتجارية، وموقف لكل وحدة سكنية.
يجب أن يكون لكل مركز فرعي نظام نقل عام بطاقة عالية، بما في ذلك توفير مركز للنقل العام يتم ربطه بشبكة النقل العام في المدينة.
يجب توفير شبكة لممرات المشاة تربط جميع الأنشطة الرئيسية وتوفر البيئة الآمنة والمميزة لاستخدامها.
التصميم العمراني
ينبغي عند إعداد المخططات التفصيلية للمركز أن يقوم الملاك أو المطورون بإعداد قواعد إرشادية للتخطيط والتصميم العمراني بحيث تشتمل على مبادئ التصميم العمراني، والضوابط التصميمية الخاصة بالخصوصية، والسلامة، ولوحات الإعلانات، والتشجير، وتنسيق المواقع، وذلك وفق المعايير التي تتجانس مع هذا النوع من التطوير المتميز على مستوى المدينة.
المخططات الهيكلية التصورية
تم إعداد مخططات تصورية لثلاثة نماذج من المراكز الفرعية، وهذه النماذج والمخططات توضح للملاك والمطورين الأفكار التخطيطية والتصميمية والتصورات العامة التي يمكن أن تكون عليها تلك المراكز بعد تنفيذها، وستستخدم تلك المخططات بشكل إرشادي للتخطيط التفصيلي لتلك المراكز، حيث توضح استعمالات الأراضي وشبكات الطرق وتوزيع الخدمات والمرافق العامة، إضافة إلى ضوابط التطوير والكثافات، وأسس التصميم العمراني التي يفترض تطبيقها في تلك المراكز من قبل المطورين.
(الحلقة القادمة: ضاحيتان جديدتان لتخفيف العبء على العاصمة)