رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فرض الزكاة على الأراضي المجمدة

[email protected]

أدى الارتفاع الحاد في الدخول النفطية إلى انخفاض الحاجة لفرض أي نوع من الضرائب. ولهذا فإن فرض أي ضرائب لتعزيز إيرادات المالية العامة في المملكة ليس أمراً ملحاً أو منظوراً فيه، على الأقل في الوقت الحالي. أما فرض ضرائب من أجل إعادة توزيع الدخل فهو غير مطروح في المملكة، حيث تتوافر لدى الدولة موارد ضخمة تنفق منها على مشاريع الرعاية الاجتماعية ودعم الفقراء وتوفير الخدمات العامة ومشاريع البنية الأساسية. والهدف المتوقع من اقتراح فرض ضرائب على قطع الأراضي المجمدة هو الحد من الارتفاع الحاد في أسعار الأراضي وتحفيز استغلالها، ما يساعد في الحد من تكاليف الأراضي التي تمثل جزءًا متزايداً من تكاليف المساكن. وسيسر فرض ضريبة على الأراضي المجمدة من عملية السيطرة على الارتفاع الحاد في أسعار الأراضي ويساعد في القضاء على أزمة السكن في المملكة. وسيقلل فرض ضريبة على الأراضي المجمدة من توجيه الموارد إلى هذا القطاع الذي يجتذب جزءا كبيرا من مدخرات المواطنين ويحولها إلى قطاعات أكثر إنتاجيةً وتوظيفاً للعمالة. فالأراضي المجمدة تحتوي على أصول مجمدة لا تتحرك في الاقتصاد وليس لها مردود سنوي، بل إنها تسهم في الحد من المعروض للبيع من قطع الأراضي. ويتسبب انخفاض عرض الأراضي في ارتفاع أسعار العقارات. ونتيجةً لارتفاع أسعار العقارات ترتفع تكاليف الإيجارات والتي ترفع تكاليف المعيشة للشرائح السكانية الأقل دخلاً، وترفع تكاليف الإنتاج والتسويق للمؤسسات الإنتاجية وخصوصاً الصغيرة منها. ويتسبب ارتفاع أسعار الأراضي ببدء دورة ارتفاع الأسعار في الاقتصاد ككل. حيث ترفع الأعمال من أسعارها لتغطية ارتفاع تكاليف الإيجارات. وبعد ذلك ترتفع مطالب العمالة برفع الأجور ثم ترتفع أسعار السلع والخدمات المنتجة. وتستمر الدورة حتى يقتنع الجميع أن دورة ارتفاع الأسعار قد توقفت. وأكاد أجزم بأن ارتفاع تكاليف الإيجارات هو أهم محرك داخلي للتضخم في منطقة الخليج العربي. ولهذا فإن السيطرة على التضخم في منطقة الخليج تتطلب تدخلاً رسمياً للحد من ارتفاع تكاليف الإيجارات.
وقد أدى انخفاض عرض الأراضي في بلدان آسيا المكتظة بالسكان كاليابان إلى رفع تكاليف العقارات بشكل مذهل ورفع من أسعار السلع والخدمات المباعة داخل تلك البلدان مقارنةً بدول العالم الأخرى. وكانت قيم العقارات في طوكيو وحدها قبل انفجار فقاعة العقار في اليابان تفوق قيم العقارات في الولايات المتحدة بأكملها، ما جعل طوكيو من أغلى مدن العالم. وقد يشفع لارتفاع تكاليف العقارات في دول آسيا اكتظاظها بالسكان، التي ترتفع فيها الكثافة السكانية في الكيلو متر المربع إلى أعلى المعدلات العالمية.
وفي حالة فرض ضريبة على قطع الأراضي المجمدة، سترتفع تساؤلات دافعي الضرائب عن أوجه إنفاقها. وسيؤثر أسلوب إنفاق المبالغ المحصلة من هذه الضرائب على مبدأ القبول بها من عدمه. وتستخدم الدول الإيرادات المتحصل عليها من ضريبة العقارات من أجل رفع مستوى الخدمات في المناطق المفروضة فيها الضرائب. وقد تخصص الإيرادات لبناء المدارس أو المستشفيات أو البنية الأساسية في المناطق المعنية.
وعموماً فإن الضريبة على العقارات في معظم دول العالم تأتي على هيئة نسب مئوية من القيمة السوقية لقطع الأراضي، مع إمكانية وضع حد أدنى للقيم المعفية. ويمكن في حالة فرض ضريبة في الخليج إعفاء مساحات محددة لكل مالك، ثم فرض ضريبة على مساحات الأراضي التي تتجاوز الحد الأدنى من القيمة والمساحة. ويمكن منح إعفاءات لنوعية محددة من الملاك مثل اليتامى والأرامل والفقراء، كما يمكن إعفاء المؤسسات العامة وغير الهادفة للربح والجمعيات الخيرية. وفي حالة استهداف الأراضي المجمدة يمكن منح فترة سماح زمنية محددة من الضريبة ثم تطبق ضريبة تصاعدية مع مرور الوقت. وستتولد إيرادات كبيرة في حالة فرض ضريبة، والتي يمكن توجيهها لتحسين البنية الأساسية ودعم سياسات الإسكان في المدن أو المحافظات التي تجمع فيها الضريبة. ويمكن للمحافظات والمدن فرض ضرائب مختلفة تتناسب مع أسعار وأزمات العقار فيها. حيث تعتمد الحكومات المحلية في كثير من دول العالم على الضرائب المفروضة على العقار.
وتمثل الزكاة أساساً قوياً ومقبولاً في منطقة الخليج لفرض ضرائب على الأراضي المجمدة. ولا تجمع الحكومات الخليجية أي زكاة من العقار سواءً كان أراضي مجمدة أو عقارات معروضة للبيع أو إيجارات، بل تترك مسؤولية الزكاة للملاك. وأستغرب كثيراً من فتاوى إعفاء العقار من الزكاة والتي تجب فيه الزكاة في أحوال كثيرة. فتجميد الثروات في قطع الأراضي لفترات طويلة هو بالفعل كنز للثروة ولا يختلف فعلياً عن كنز الذهب والفضة. بل إن الثروة المخزنة في الأراضي تفوق بكثير الثروات المخزنة بالذهب والفضة، وهي أكبر حجماً وأكثر مردوداً بمراحل من كنز الذهب والفضة. إضافة إلى أن الاستثمار في الأراضي أكثر أماناً من الاستثمار في الذهب والفضة، فإن عائد الاستثمار في قطع الأراضي على الأمد الطويل أكبر بكثير من عائد الاستثمار في كنز الذهب والفضة، التي تجب فيهما الزكاة. ولا يقتصر تجميد الأراضي على كونه كنزا للثروة فقط، بل إن تجميد الأراضي نوع من أنواع عروض التجارة. فكل من ينام على قطعة أرض يطمع في الحصول على سعر أعلى مستقبلاً، وهو بهذا الفعل يتاجر بقيمتها. ولا أرى اختلافا بين تجميد قطع الأراضي انتظارا لارتفاع أسعارها وبين تخزين أي سلعة انتظارا لارتفاع أسعارها. فكلا التصرفين متشابهين وهما ضربان من ضروب عروض التجارة. وتجب الزكاة في عروض التجارة سواءً بيعت أو بقيت في مخازنها. ولو فرضت الزكاة على كل الأراضي غير المستغلة لما ارتفعت أسعار الأراضي بهذه الصورة، ولتوافر من الزكاة إيرادات ضخمة تكفي للقضاء على الفقر بل وإسكان الفقراء. إن الزكاة واجب شرعي يجب القيام به، وإعفاء الأراضي المجمدة من الزكاة يشوبه الكثير من التحايل. صحيح أن وجوب الزكاة على قطع الأراضي مبني على النية من امتلاك الأرض، فإذا كانت الأراضي مملوكة بنية البناء عليها تسقط الزكاة عنها، أما إذا كان الغرض من امتلاك الأراضي تخزين الثروة أو المضاربة عليها فما الذي يمنع فرض الزكاة عليها. إن النسبة الكبرى من الأراضي المجمدة تستخدم لحفظ الثروة وتنميتها. ويتحمل متخذو القرارات مسؤولية فرض الزكاة على من تجب عليهم. وعليهم بناء قراراتهم على ظواهر الأفعال وليس على النوايا، حيث تستغل دعاوى النية لتجنب دفع الزكاة.
إنني لست من دعاة فرض الضرائب بل هي من الأدوات التي تؤثر سلباً في الأنشطة الاقتصادية وتؤدي إلى خفض الدخول، ولكن فرضها قد يصبح ضرورياً للتعامل مع معضلات لا يمكن أن تحل بأساليب أخرى. وحتى لو تجنب المجتمع فكرة فرض ضرائب على الأراضي المجمدة، فإن من واجب المجتمع جمع الزكاة، التي تعد واجبا شرعيا وديني. وجمع الزكاة مرضاة للرب ونجاة من النار وتزكية للمال. ولتحصيلها من ملاك الأراضي المجمدة فوائد متعددة، فهي من أنجع الوسائل للتعامل مع الارتفاع الحاد في أسعار الأراضي. كما يمكن استخدام عوائدها للمساعدة في حل معضلات الفقر وإسكان المحتاجين في المملكة. ويتطلب تطبيق الزكاة على الأراضي المجمدة التعامل مع الإشكالات نفسها التي تأتي مع أي ضريبة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي