النضج الإداري يحتم صياغة نظام للإدارة المحلية!
[email protected]
الجوائز المتعددة التي جنتها أمانة منطقة الرياض داخليا وعربيا, التي كان آخرها جائزة المملكة العربية السعودية للإدارة البيئية التي تمنحها المنظمة العربية للتنمية الإدارية, تشير إلى أن الإدارة المحلية في السعودية بلغت مستوى عاليا من التأهيل والكفاءة والفاعلية ما يشجع على التحول إلى نظم أقل مركزية ومنح الإدارة المحلية سلطات وصلاحيات مالية وإدارية تمكنها من القيام بأدوار أكثر أهمية ومبادرات إبداعية وتنمية اقتصادية محلية. لقد أثبتت أمانة منطقة الرياض المرة تلو الأخرى ومن خلال ممارسة أدوار جديدة لم تكن معهودة من قبل وتبني فلسفة إدارية مبنية على تحقيق رضا السكان عبر مشاريع تنموية وأنشطة اجتماعية وثقافية والنظرة الشمولية في التنسيق بين الأطراف المتداخلة في الشأن المحلي, أن الإدارة المحلية قادرة على مواجهة التحديات والمتغيرات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذه النجاحات التي تسجلها أمانة منطقة الرياض على جميع الأصعدة تحسب لقيادتها المستنيرة الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف الذي ما فتئ يسعى إلى تبني مبادرات جديدة وإيجاد حلول ومعالجات مبتكرة في ظل الدائرة الضيقة من الصلاحيات الإدارية والمالية. حتما ستتضاعف النجاحات والإنجازات وسيتم تناول موضوعات وقضايا محلية على درجة عالية من الأهمية هي الآن مغمورة لا ترى من بعيد, حيث صناعة القرارات المحلية تتم مركزيا! هذه المركزية الشديدة قد تكون مطلوبة في توجيه التنمية الوطنية والتأكيد على توازنها ولكن هذا لا يعني أن الأجهزة المركزية قادرة على فعل كل شيء, وبالتالي الاهتمام بكل شيء. لقد زاد عدد المدن والسكان وتغيرت أنماط الاستهلاك وارتفع المستوى المعيشي والثقافي للأفراد وأصبحت هناك ضرورة لتطوير صناعة القرار المحلي حتى يكون أكثر استجابة لمتطلبات السكان الحالية وتطلعاتهم المستقبلية. الحقيقة أنه كلما كان القرار قريبا للمستفيدين والمتأثرين به كان أكثر فاعلية وكفاءة واستجابة. لقد أثبتت التجربة في أمانة منطقة الرياض والمجلس البلدي أن التعرف على الرأي العام المحلي واستشفاف احتياجات المجتمع المحلي والعمل على تلبيتها هما السبيل لتحقيق رضا المواطنين، المطلب الأساس في العمل الحكومي المحلي.
إن نجاح المشروع الوطني التنموي في هذه المرحلة من حياة الوطن مرهون بتهيئة الفرصة للإدارة المحلية في صناعة القرارات والسياسات والمشاريع المحلية. الإدارة المحلية تمثل جذور النظام الإداري وتتطلب سقايتها والاهتمام بها وتقويتها بالصلاحيات الإدارية والمالية وإلا ذبلت وضمرت وتساقطت أوراقها ولم تثمر! الإدارة المحلية الركيزة الأساسية في الضبط الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. هناك كثير من القضايا والموضوعات التي تختص بالإدارة المحلية وتتطلب تناولها من منظور محلي صرف وهو ما لا تستطيعه الإدارات المركزية لافتقادها التخصصية والوقت. المشكلات المحلية تتطلب معالجات وحلولا محلية هذا ما يجب فهمه وإدراكه يؤكد ذلك الظواهر السلبية المشاهدة في المجتمع مثل الإرهاب والمخدرات والسطو المسلح. هذه المشكلات في أساسها مشكلات محلية ولو كانت هناك هيئات محلية تمتلك الصلاحيات الإدارية والمالية والتشريعية لتمكنت من وأدها في مهدها قبل أن تستشري وتكبر وتتحول إلى قضايا مزعجة على المستوى الوطني.
إن الحديث عن تطوير الإدارة المحلية ومنحها صلاحيات إدارية ومالية لا يقصد به اللامركزية داخل التنظيمات الإدارية وتفويض فروع الوزارات في المناطق والمحافظات، وإنما إنشاء هيئات محلية مستقلة ماليا وإداريا تكون مسؤولة مباشرة عن صناعة القرارات المحلية وبما يحقق مصالح المجتمع المحلي في نطاق جغرافي محدد قانونا. وهنا لا بد من التأكيد على نقطتين أساسيتين: الأولى أن هناك تدرجا هرميا مكانيا للمستويات الإدارية وأنه يلزم أن يناط بكل مستوى مسؤولية الإشراف على نطاق جغرافي يتناسب مع طبيعة ونوعية القضايا والمشكلات في الحيز المكاني المحدد. على سبيل المثال التنمية المحلية مسؤولية الإدارات المحلية وليست الإدارات الإقليمية أو الوطنية، فمعالجة الفقر والازدحام المروري وتشجيع الاستثمار المحلي من اختصاصات الإدارة المحلية, كما أن التنمية الإقليمية والتصدي لمشكلة التلوث والنقل من اهتمامات الإدارة الإقليمية, بينما التنمية الوطنية والأمن وحماية الوطن من مسؤولية الإدارة المركزية. الأمر الآخر هو الاعتماد الكبير على التنظيم البيروقراطي ومنحه ممارسة سلطتي التشريع والتنفيذ، بينما في الأساس البيروقراطية جهة تنفيذية وحسب. إن غياب هيئات محلية تشريعية أدى إلى تفرد البيروقراطيات بصناعة القرار دون مساءلة اجتماعية وسياسية, وانعكس ذلك سلبا على التنمية المحلية ومستوى الخدمات المقدمة. إن البيروقراطيين يسعون إلى كسب رضا رؤسائهم في العمل وليس المستفيدين من الخدمة, وهذا هو جوهر المشكلة والسبب الرئيس وراء تدني مستوى الخدمات العامة كما ونوعا وجودة وتكلفة.
إن الجهود التي تبذلها أمانة منطقة الرياض هي مبادرات شخصية ورؤية مستنيرة واندفاع لخدمة العموم ليست مطالبة بها بالنص الحرفي للنظام، ولذا نجد أن هناك تفاوتا كبيرا بين أداء الأجهزة الحكومية اعتمادا على القدرة القيادية للرجل الأول في الجهاز. إن من الخطأ الاعتقاد أن الحديث عن التحول للعمل المؤسسي هو في زيادة حزمة الأنظمة والسياسات البيروقراطية. المقصود بالعمل المؤسسي تحديد السلطات التنفيذية والتشريعية ومن ثم تقسيمها بين هيئات تنفيذية وأخرى تشريعية. بهذا نضمن ألا تنفرد جهة واحدة بالسلطة وإلا كانت النتيجة إما نجاح باهر يقوده إداري ناجح وإلا فشل ذريع لإداري فاشل! إن العمل المؤسسي وتحديد الأدوار والصلاحيات بين الهيئات بكل وضوح ودقة يخلق بيئة تنافسية تفاعلية يسعى كل طرف لتصحيح الآخر ومراقبته. هذا النوع من النظام الإداري يدفع نحو الشفافية والمساءلة وتطوير الأداء وزيادة الوعي والتعرف على الكفاءات القيادية القادرة على التخطيط واستشفاف المستقبل.
إن التجارب الناجحة لأمانة منطقة الرياض ومعها تجارب في قطاعات حكومية أخرى جديرة بالتدوين والتوثيق والنقاش لتطوير العمل المحلي والاستنارة بآراء القيادات المحلية المتميزة والاستفادة من خبراتهم في صياغة نظام خاص بالإدارة المحلية يتم فيه التحول إلى العمل المؤسسي عبر هيئات محلية تكون مسؤولة مباشرة عن إدارة المجتمع المحلي بجميع قطاعاته داخل نطاق جغرافي محدد وموثق. هكذا تكون الأمور أكثر وضوحا وأكثر تخطيطا ولا نتركها للحظ والعمل العشوائي أو إدارة أزمات نشتغل بإطفاء الحرائق هنا وهناك بدلا من الوقاية منها ابتداء. العمل البلدي يتطلب أكثر من التخصص في جزئية بسيطة من إدارة المدينة, لذا حتى في ظل النجاحات التي تحققها أمانة منطقة الرياض تبقى تدور في فلك ضيق من العمل البلدي, ولذا لنا أن نتصور لو أن الأمانات كانت لها صلاحيات إدارة المدينة بكل قطاعاتها كيف ستكون عليه مدننا؟ وما سقف الإبداعات الذي سيتحقق؟ وكيف ستكون عليه التنمية المحلية؟ قطعا ستكون المدن مكانا أكثر إنتاجا وتنمية وراحة وجذبا للاستثمارات.
فهل يصاغ نظام للإدارة المحلية يكون فيه العمل البلدي عبر هيئة محلية مثل المجالس البلدية كسلطة تشريعية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي وفي المقابل الأمانات والبلديات تمنح السلطات التنفيذية وتكون مساءلة من قبل المجالس البلدية؟