رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل من إيجابيات للأزمة الأمريكية؟

أصبح العالم قرية كونية صغيرة، فعمليات القرصنة على ساحل الصومال والأزمة المالية الأمريكية الحادة، (مع فارق التشبيه) يعرف بهما القاصي والداني على سطح كوكب الأرض خلال دقائق من حدوثهما. ولا شك أن أزمة الاقتصاد الأمريكي، وهو الاقتصاد الأكبر في العالم، لا تقارن بأية أحداث أخرى. فالاقتصاد الأمريكي يتبادل المصالح والسلع والخدمات مع معظم، إن لم يكن مع جميع الاقتصادات في العالم. وبناء عليه، يؤثر في جميع الاقتصادات ولا يتأثر بمعظمها. وللدلالة على ضخامة الاقتصاد الأمريكي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تستهلك ربع ما يستهلك من الطاقة في جميع دول العالم، كما أنها تُطلق ملوثات في البيئة والغلاف الغازي أكثر من أي دولة أخرى. لذلك، فتأثير الاقتصاد الأمريكي ليس في النظام الاقتصادي العالمي فحسب، بل - كذلك - في النظام البيئي على سطح الكرة الأرضية.
لا ينبغي أن يفرح إنسان عاقل بما يصيب أي إنسان أو أي مجتمع آخر، مهما كان بعيداً من الناحية الجغرافية، أو الثقافية، أو الدينية. فالإنسانية تبقى هي الإنسانية، خاصة أننا نعيش في قرية كونية واحدة. ونحن في منطقة الخليج تربطنا أواصر اقتصادية وثيقة بالاقتصاد الأمريكي، لا يمكن الانفكاك منها بسهولة. لذلك لا بد أن نتأثر بشكل أو بآخر بالوعكات البسيطة وكذلك بالجراحات العميقة التي تصيب ذلك الاقتصاد، وما حدث لأسواق المال في المنطقة إلا صدى أولي لتداعيات ما حدث هناك؛ ربما لن تتمكن أسواقنا المالية أن تتعافى منه خلال وقت قصير. ولكن ما نتمناه أن تُتخذ سياسات مالية جريئة وكفيلة بتخفيف الصدمة، وحماية اقتصادات دول الخليج من هزات أكبر، تؤثر - سلباً - في مستويات المعيشة، وتعرقل استمرار المشاريع التنموية الجارية.
ربما يبرز التساؤل التالي في أذهان بعض القراء: هل من إيجابيات لأزمة المال الحالية في الاقتصاد الأمريكي؟! على الرغم من هول الصدمة التي تعرضت لها النظم المالية والاقتصادات في معظم دول العالم، التي - ربما - يتبعها تأثيرات على مستويات المعيشة في وقت لاحق، إلا أن الاقتصاد الأمريكي تضخم من حيث الحجم والتأثير، بحيث أصبح "عملاقاً" كبيراً يهدد العالم، كلما اشتكى من وعكة صحية. علاوة على ذلك، أضحى قوة مهيمنة، تعوق نمو وتقدم الاقتصادات الناشئة في الشرق، وكذلك في أوروبا، مما كرس القطب الواحد، وعزز الهيمنة الأمريكية في كل شأن من شؤون الحياة، ومن ثم أدى إلى انكماش التنوع الثقافي في العالم.
فكما يقال "رب ضارة نافعة". فالأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي قد تسهم في إعادة ترتيب الاقتصاد العالمي، من خلال عملية ديناميكية معقدة تستغرق فترة من الزمن. فعلى الرغم التداعيات المؤلمة التي ستصيب معظم الاقتصادات، خاصة الناشئة منها، إلا أنها بعد زوال هول الصدمة، ستتنفس الصعداء، وستجد فرصة (محدودة) للوصول إلى المكان اللائق بها في المنظومة الاقتصادية العالمية، بعيداً عن مضايقة الكبار! ومن زاوية أخرى، سترفع هذه الأزمة فرصة المرشح الديمقراطي (أوباما) للوصول إلى البيت الأبيض، لارتباط هذه الأزمة بسياسات الجمهوريين وتورطهم في حروب باهظة التكاليف.
في الختام، لا يوجد شخص واحد لديه العصا السحرية لمعالجة آثار الأزمة الأمريكية في دول الخليج، أو التكهن بنتائجها المستقبلية بدقة. ولكن المطلوب هو الشفافية في معالجة الأمور، وخاصة تلك الإجراءات التي تؤثر في سوق المال. فينبغي أن نتعلم مما جرى خلال أزمة الأسهم الماضية التي لم تتعاف منها أسواق الخليج حتى الآن. نعم، ينبغي ألا تتكرر التحليلات الاقتصادية غير المسؤولة والتصريحات الصحافية التي تغرر بصغار المستثمرين، وتعرض مدخراتهم للزوال!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي