رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى يتقدم المسلمون ويتخلف الغربيون؟ (2 من 2)

[email protected]

في الأسبوع الماضي تحدثنا عن تاريخ الصراع بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، وأوضحنا أن الصراع الإسلامي - الغربي يعد من أطول أنواع الصراعات في التاريخين القديم والحديث، ونتابع في مقال اليوم استكمال السيناريوهات التي تلامس حاضر الصراع ومستقبله.
ودون مبالغة نستطيع القول إنه قبيل حركة التوسع الأوروبية الحديثة كان العالم الإسلامي الطرف الوحيد دولياً الذي يملك تصوراً سياسياً كونياً متكاملاً. وبعد النموذج الإسلامي دخل النموذج الأوروبي الكوني في معركة منافسة مشروع النموذج الإسلامي.
ومع الأسف حينما أرادت الخلافة الإسلامية في إسطنبول تجديد نفسها لم يحالفها النجاح، لأن التجديد كان يتم خارج النموذج الإسلامي وعلى قاعدة تقليد النماذج الأوروبية التي بدأت تُهيمن على مقدرات الشعب التركي، وتفرض عليهم العلمانية الغربية بالقوة، بل استطاعت أوروبا أن تعين القيادات السياسية والعسكرية الموالية للغرب، وكان على رأسهم مصطفى كمال أتاتورك, الذي نفذ روزنامة الغرب بإخلاص ليس له مثيل، ولاحق الإسلاميين في كل أنحاء الجمهورية التركية كما أن الدول العربية التي كانت ضمن ولايات الإمبراطورية العثمانية فشلت في أخذ زمام المبادرة وتأسيس الدولة العربية الإسلامية المستقلة، بسبب انقساماتهم السياسية وسيطرة أوروبا (فرنسا وبريطانيا) على معظم المنطقة العربية في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وفي خضم النتائج التي أفرزتها الحربان الكونيتان، الأولى والثانية، فإن الدول التي انتصرت في الحربين (بريطانيا وفرنسا) هي التي فرضت مشاريعها، ويأتي مشروع سايس بيكو في مقدمة المشاريع الغربية. ومشروع سايس بيكو قسم الدول العربية إرباً إرباً وعين العملاء والموالين للغرب في المناصب العليا، ثم قرر زرع دولة إسرائيل في فلسطين، وأصبحت سورية ولبنان مستعمرتين فرنسيتين وفلسطين والعراق والأردن تحت الانتداب البريطاني، بل إن الغرب أخذ يمارس سياسة استقطاب الثروات والاستثمارات غير العادلة، وإفقار دول العالم الثالث وصولاً إلى إفلاس هذه الدول.
والمتابع للهيمنة الغربية يُلاحظ أن النموذج الإسلامي يقدم صيغة للتعايش السلمي بين الدول والشعوب، بينما النموذج الغربي يسعى إلى استمرار التأجيج والصراع. وما يحدث الآن هو أن الغرب يطرح مشروعاً جديداً لاستمرار سيطرته على إدارة شؤون الكون، هذا المشروع يحمل عنوان "الحرب على الإرهاب" وهو في الحقيقة الحرب على الإسلام، ولكن يتضح من خلال التطورات التي حدثت في العراق, أفغانستان, فلسطين, والسودان, أن الغرب فشل في وضع مفهوم للإرهاب، وهو الآن يتخبط بين إعلان الحرب ضد الإرهاب، وبين طرح مشروع العولمة الذي يحمل في طياته رؤية كونية للتعاون الاقتصادي بين كل دول العالم بهدف تحقيق الاستقرار والأمن الدوليين. وستشهد السنوات القليلة المقبلة طرحاً جديداً من الاتحاد الأوروبي يختلف تماماً عن الطرح الذي وضعه صقور أمريكا وأشعلوا الحروب والتوترات في كل مكان من العالم، وهم كمن يحمل الجزرة بيد والعصا باليد الأخرى فسقطت العصا وابتعد الجميع عن الجزرة، أي ابتعدت دول العالم الثالث عن أمريكا، أما أوروبا فقد أنحت باللائمة على السياسة الأمريكية التي فشلت في كل المواقع التي ذهبت إليها، وباتت أوروبا مطالبة بالتدخل وإنقاذ النموذج الغربي من الفشل الذريع.
أما بالنسبة إلى العالم الإسلامي فإنه يتلاشى في لجج الحرب على الإرهاب ومشاريع العولمة. بعد كفاح باسل جعله يتقاسم مع الغرب إدارة شؤون الكون لنحو 1400 سنة.
نحن نسلم بأن العالم الإسلامي يغط اليوم في ثبات عميق وأنه يقع في قبضة التبعية الغربية، ولكن الأمة التي تزخر بهذا الفيض من التجارب والتاريخ والدين والحضارة لا يمكن أن تستسلم للهزيمة، ولا بد أن يأتيها الوعي ويتسلل إلى الجثث الهامدة ليشعل فيها جذوة الكفاح، ولا سيما أن الصراع بين الإسلام والغرب هو صراع تاريخي مستمر.
رب سائل يسأل لماذا يهتم الغرب اليوم بشن الهجمات وتدبير الحروب ضد العالم الإسلامي؟
الواقع أن الغرب تعلم كثيراً من التاريخ وهو يعرف أن العالم الإسلامي هو عالم ثري ينبعث بالقوة وإن إمكانات العودة إلى أمجاده واردة جداً، ولذلك ينفذ الغرب باستمرار الضربات الاستباقية ضد العالم الإسلامي حتى لا تقوم له قائمة وحتى لا تعود أوروبا أو أجزاء منها تحت قبضة وسيطرة العالم الإسلامي كما كانت في غابر القرون.
هذا هو التفسير الوحيد لإعلان الغرب الحرب على العالم الإسلامي بصورة مستمرة، وما زرع إسرائيل في المنطقة إلا لكي تكون رأس حربة الغرب في حروبه المستمرة والدائمة ضد العالم الإسلامي.
المطلوب من العالم الإسلامي رمرمة نفسه بالعودة إلى رحيق الإسلام ولفظ كل أشكال وألوان الفساد والاعتماد على القدرات والمواهب في عمليات إعادة البناء والاكتشاف، مع التخطيط لنهضة علمية واسعة الأرجاء بحيث تفتح المجال لمنطق علوم الدين وعلوم الدنيا كي تتفاعل وترفع صروح نهضة جديرة بالاحترام وعودة الروح إلى الحضارة الإسلامية الغابرة.
وأخيراً، لقد لاحظت في المجالس والديوانيات والندوات التي أحضرها أن الشباب يفقد الثقة تماماً بعالمه الإسلامي، ويرمي الرواد بأنهم تركوا له عالماً محنطاً موغلا في التخلف أمام آلة غريبة موغلة في المدنية والتقدم. وأنا بدوري أتمنى من كل إنسان مسلم, وبالذات من كل إنسان سعودي, أن يقرأ تاريخه، ويتأمل مكامن البطولات فيه، وإذا قرأ تاريخه جيداً فسيعرف أن وطنه الإسلامي يشرفه ويرفع من معنوياته ولا ينقص من قدره، بل يزيده فخراً وعزاً ومجداً.
ولكن ما ينقص الوطن الإسلامي هو همة المواطن المسلم وإصراره على إعادة مجد هذا الوطن لكي يعيده إلى مقدمة دول العالم، لأن المقدمة هي المكانة التي يجدر أن يعود إليها عالمنا الإسلامي الخالد.
أما أن يكون الوطن الإسلامي في مقدمة الدول المتخلفة، فإنه شيء طارئ وغير ملائم لوطن يعلي ديناً أظهره الله على الأديان كلها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي