رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


زكاة الفطر .. وقراءة في مقصد الشارع

في كل عام من هذا الشهر يثار موضوع ماهية زكاة الفطر, بمعنى: هل يجوز شرعا إخراجها من النقد كما يجوز إخراجها من الطعام, أم لا؟
والواقع أن كثيراً ممن يطالب بإخراج الزكاة من النقد, يرى أن ذلك أحظ للفقير والمسكين؛ من أجل أن يستفيد منه هذا المحتاج في شراء حاجياته المختلفة, ومن يتأمل مقصد الشارع من هذه الزكاة لم ولن يشغل نفسه وذهنه بهذا السؤال مرة أخرى؛ لأن مقصد الشارع واضح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما, وفيه أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) وفي حديث آخر: (اغنوهم عن المسألة في هذا اليوم) يعني: يوم العيد. وبالتالي فقد ظهر جلياً أن الشارع أمر بإخراج هذه الزكاة من الطعام تحديداً لسببين رئيسيين:
1. طهرة للصائم من اللغو والرفث, والصائم مهما بلغ في العبادة وأوغل في التنسك، فإنه لا بد أن يتلطخ ببعض اللغو أو الرفث, فكانت هذه الزكاة بمثابة الكفارة عن هذا النقص, ومن هذا الوجه فإنها تشبه الكفارات, ككفارة اليمين, والقتل.
2. طعمة للمساكين؛ وذلك من أجل أن يستمتع هؤلاء المحاويج في غرة شوال بأكلة العيد كسائر الناس, وهذا يتحقق بأن يعطى الفقير والمسكين صاعا من طعام أهل البلد, ومن هنا تظهر الحكمة الشرعية في تحديد الزكاة بقدر الصاع؛ وذلك لأنه القدر المتوسط الذي يشبع أهل البيت الواحد في أغلب الأحوال, ويحقق حاجتهم من الطعام, أما سد حاجة الفقير من الحاجيات الأخرى, فهذه تسد من زكاة المال, وليس من زكاة البدن, ولهذا لو قدرنا بالقيمة زكاة الصاع من الأرز مثلاً, نجد أنها لا تساوي إلا عشرين ريالا فقط, وهذه لا يستفيد منها المسكين إلا في شراء طاقية, أو فانيلة, أو كرتون سفن أب...!
كما أن طعمة المساكين في يوم العيد لا تتحقق إلا بدفعها قبل صلاة العيد, ولهذا وجب إخراجها قبل صلاة العيد, وجاز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين, وحرم إخراجها بعد الصلاة؛ لأن المسكين لا ينتفع بها؛ حيث لا يتسنى له الوقت الكافي ليصلح طعامه, ويفطر يوم العيد كما يفطر الناس, إلا بعد فوات الأوان...! والشارع شرع هذه الزكاة من باب المواساة, وذلك ليستمتع الفقير والمسكين مع أهله كما يستمتع سائر الناس, وفي الوقت نفسه, فالإسلام يغرس في قلوب أبنائه المحبة والمودة, وينأى بأفراده عن الأنانية وحب الذات, كما تكرسها الحضارة المادية المعاصرة بأبشع صورها.
وبهذا يظهر أن زكاة الفطر ليست كزكاة المال, وإنما هي أشبه بالكفارات الأخرى لتعلقها بالبدن, ككفارة اليمين التي أوجب الله إخراجها من عدة أصناف, من أبرزها الإطعام, فقال تعالى :(فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة...)، ولهذا لا يجوز العدول عن الطعام أو الكسوة إلى النقد مثلا..., كما يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر) أخرجه البخاري. وأما زكاة المال, فإنها تجب بسبب المال, لا البدن, كما صرح بذلك غير واحد من العلماء المتقدمين, ولهذا يمكن إخراجها بالنقد, كما يجوز إخراجها من أصناف المال الذي وجبت فيه الزكاة.
وإذا كانت زكاة الفطر من طعام أهل البلد, فإنه يتوخى المزكي مثل ما يطعم أهله, فلا يطلب الطعام الرديء (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه)، بل يطلب الطعام الجيد كما قال سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..) سواء كان من الأرز, أو من البر, أو من التمر..., ولكن يلاحظ هنا أن تقدير الصاع بالكيلو يختلف باختلاف نوع الطعام, فبعض الطعام يكون وزنه ثقيلا, وبعضه يكون وزنه خفيفا, ومع هذا كلاهما يملأ الصاع, ولهذا يجب أن يراعى هذا الاختلاف, وقد قام أحد الإخوة الفضلاء بوزن بعض أنواع الأطعمة بالميزان الدقيق (الحساس) بعد أن وضع كل نوع منها في الصاع النبوي, فظهرت له النتيجة التالية:

"الـجدول"

وهذا يوضح بجلاء أن الموازين تختلف باختلاف نوع المطعوم, ولو زاد المزكي، فالزيادة لا تضر بل تنفعه عند الله تعالى إن احتسب ذلك, وإنما يضر التقصير في الزكاة, أو أن يخرجها من النوع الرديء, أو أن يخرجها من غير طعام أهل البلد, إلا إن كان مقلداً لرأي من قال بالجواز ممن يثق بعلمه وأمانته, فالأمر واسع بحمد الله, المهم ألا يكون ممن يتتبع الرخص, والله تعالى أعلم وأحكم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي