حينما تتباعد الخطوات

[email protected]

يقاس الحكم الأولي على أي عمل مادي أو فكري بمدى ترابط نسيجه الداخلي وانضباط القائمين على تنفيذه. يظهر ذلك حينما تنظر إلى عرض عسكري في خطوة واحدة، أو مقالة واضحة المضمون واللغة، أو حتى في نسق الآلة المتحركة الصامتة، أو في إدارة اقتصاد حديث. في هذا النسق تظهر قوة الجوهر وروعة الجمال وتجدد العطاء. يجمع هذه الأمثلة الحاجة إلى الانضباط والعمل الجاد. تستطيع الوصول إلى تزاوج الجوهر وروعة الجمال في العمل حينما يكون القالب علميا والرؤية صادقة. وهذا هو سر التقدم في إدارة العملية التنموية. حينما يختل هذا التوازن يكون البناء هزيلا والروح معطلة ويسهل على المراقب متابعة الخطوات المتباعدة ويستحيل التقدم. يأخذ هذا التباعد أشكالا كثيرة. مرات تجد التباعد صغيرا ويقبل بعض التجاوزات مثل صعوبة المصارحة مع صديق أو قريب حول ماهية الحراك الاجتماعي أو حتى بعض العادات القديمة أو المستجدة، وفي ماذا هذه أو تلك تحمل أصالة أو تعد بتقدم. ومرات أخرى تجد هذا التباعد في حالة وسطية مثل الجدل القائم حول ماهية التعليم الجامعي. فتعدد الكليات والجامعات جاء بعد انغلاق دون تمعن تخطيطي في دور الجامعات أو حتى الاستعداد ببناء القواعد الأساسية مادياً وبشرياً. ومرات أخرى تجد هذا التباعد أكبر من أن يمكن تأجيل التعامل معه لكيلا يثير الريبة والشك ويضعف المصداقية. فهو إذا يختلف في الدرجة والنوعية ويستحق منا تركيزا أكثر. أقصد هنا النظرة إلى المشروع النهضوي لتطوير المملكة. أعراض الإشكالية في المشروع النهضوي ليست قليلة. ظهرت حديثا في الازدحام في الشوارع وانقطاع التيار الكهربائي في التوليد أو في خطوط الضغط العالي في بعض المدن وتوفير الماء في بعض المناطق والضغط على الموانئ وعلى شبكة نقاط البيع.
تباعدت خطوات المشروع النهضوي فبدأت العيوب بالظهور وقد تزداد إذا لم تعالج سريعا، خاصة أن الكثير من هذه المسائل تراكمي بطبعة. نبدأ بالأساسيات. من أجمل وأسهل ما في الرؤية الصادقة أن الجميع يلتقطها سريعا ويفهمها ويحترمها حتى ولو كان لديه توجس أو اعتراض على بعض ملامحها. فهي إذا تلك الرسالة الواضحة المجسدة من القيادة إلى الجميع. فيها تحمل الحب والمصلحة والحق والإحقاق والثواب والعقاب. ثم يأتي بعد ذلك تأطير عملية صنع القرار. هناك حاجة إلى فصل القرار المالي عن الاقتصادي وفصل السلطة التنفيذية عن الاستشارية واستقلال الرقيب والقاضي. تبدأ الرؤية بإعلان هدف يصطف الجميع خلف القيادة لإنجازه كأن نقول أن تصبح المملكة في مصاف الدول المتقدمة في عام 2020.
تحقيق تلك الأهداف المجتمعية يتطلب تضحيات. وإذا سألت أيا منا غسوف تجد الاستعداد النظري والوجداني لتقديم التضحية ولكن المفقود هو إخراج هذا الشعور إلى أرض الواقع، ولن يتم ذلك دون تقارب الخطوات ووضوح الرسالة النهضوية وشفافية الخطط العملية ومصداقية الإدارة على جميع المستويات. تقارب الخطوات يعني اعتمادنا على بعض، الذي بدوره يترجم اقتصاديا برفع الإنتاجية وإيجاد القيمة المضافة. ولَّى زمن الحلول الترقيعية فعلى سبيل المثال لا يمكن حل إشكالية الإسكان في المملكة دون تخفيض أسعار الأرضي البيضاء للعامة من خلال تغيير النظرة إليها من وسط استثماري إلى خدمي سكاني، ولن يتم ذلك دون تطبيق زكاة الأراضي أو رسم بلدية تعادل نسبة الزكاة.
تقريب الخطوات يأتي وجدانيا وماديا. وجدانيا في تصديق الرسالة النهضوية وماديا من التقريب بيننا سوى عن طريق نظام مواصلات حديث من قطارات وغيرها إلى سد حاجة المحتاج. دون تقريب الخطوات من بعض سوف نستمر كل ينادي بصوت من ركن ولا أحد يريد أن يسمعه أو لعله يتظاهر بعدم السماع. ولعل اليوم الوطني المبارك فرصة لنتذكر بعضنا بعضا لتقريب الخطوات واستماع بعضنا لبعض.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي