رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الضرائب المفروضة على قطع الأراضي

[email protected]

الضرائب المفروضة على الأرض من أقدم الضرائب التي عرفتها البشرية. وكانت الضرائب في السابق تحصل كنسبة من المحاصيل الزراعية التي تنتجها الأرض. ويؤيد عديد من الاقتصاديين فرض ضرائب على قطع الأراضي لأن مساحة الأراضي ثابتة وليست هناك إضافات أو إنتاج لها. وفرض ضريبة على الأراضي ليس له أي تأثير في إجمالي مساحات الأراضي المتوافرة ولا في الدخل منها. ويشجع قلة من الاقتصاديين إلغاء أو الحد من الضرائب الأخرى والاقتصار على الضرائب المفروضة على العقار. ويرى الاقتصاديون أن كامل الضريبة المفروضة على الأراضي تقع على الملاك ولا يتحمل المستهلك أي جزء منها، وذلك لأن عرض الأراضي غير مرن، ويتحدد سعر الأرض بالدرجة الأولى علي أساس استعداد المستخدم للدفع. ولا توجد تكاليف لوجود الأراضي ولكن قيمتها تتحدد بعاملين رئيسيين هما ندرة قطع الأراضي والدخول المتوقعة من استغلالها, والتي تتأثر كثيراً بسياسات التخطيط العمراني. ويعتقد بعض الاقتصاديين أن تأثير اختلالات ملكية الثروة, خصوصاً العقار (الأراضي جزء كبير منه) بين السكان تفوق التأثيرات السلبية للاختلاف في توزيع الدخول بين الشرائح السكانية. فقد يمتلك أغنى 10 في المائة من السكان مساحات أراض تفوق 60 أو70 في المائة من إجمالي مساحات الأراضي التي يملكها القطاع الخاص. وقد تفوق 90 في المائة في البلدان التي يتصف توزيع الأراضي فيها بالإقطاع. وتمثل العقارات جزءا كبيراً من الثروات الشخصية للأفراد حتى بعض الشركات.
وتختلف درجات اعتماد الدول على إيرادات الضرائب المحصلة من العقارات. ومن ِأكثر الدول اعتمادا على ضرائب العقار هونج كونج التي لديها ضرائب مرتفعة على العقار، حيث تشكل الإيرادات الضريبة على العقار أكثر من ثلث إيرادات الحكومة. ومكنت الإيرادات الكبيرة من ضرائب العقار حكومة هونج كونج من خفض معدلات الضرائب الأخرى. ويتوقع الاقتصاديون أن يؤدي فرض ضريبة على قطع الأراضي إلى خفض أسعار تلك الأراضي بسبب رفعة تكلفة الاحتفاظ بها ما يدفع الملاك إلى استغلالها أو التخلص منها، وهذا على ما يبدو هو الهدف الأساسي من الاقتراح الأخير بفرض ضرائب على الأراضي في المملكة. ومن المتوقع أن يحد فرض ضرائب على الأراضي قليلة الاستخدام مثل الاستراحات من الانتشار الكبير لهذا النوع في المدن وحولها، ما يخفض من تكاليف توفير الخدمات العامة للسكان وييسر من تكاليف توفير الخدمات الاجتماعية كالمدارس والمستشفيات ويقلل من تكاليف البنية الأساسية كالطرق. وسيزداد تركز المدن وتنخفض تكاليف المحافظة على البيئة في المناطق الزراعية والصحراوية. ولا يخفى على الناظر المبالغة الكبيرة في استخدام الأراضي، فالمساحات التي تستخدم مثلاً في مدن المملكة الكبيرة كالرياض وجدة تفوق مساحات مدن تؤوي أعدادا أكبر من السكان، خصوصاً إذا أضيفت مناطق الاستراحات المحيطة بهذه المدن. ويتطلب فرض ضريبة على الأراضي وضع تعريف لها، الذي ينبغي ألا يقتصر على قطع الأراضي التي لا توجد فيها مبان، بل ينبغي أن يشمل الأراضي التي لا تستغل لغرض السكن المستمر أو العمل المستمر. ومن هذه الأراضي الاستراحات التي تستأثر بمساحات كبيرة داخل مدن المملكة الرئيسية وحولها وتسهم في تفاقم معضلة السكن.
وستخفف ضريبة الأراضي من المضاربة على العقار التي تؤدي إلى فقاعات عقارية وتوجه الموارد إلى أصول غير منتجة وغير مولدة للوظائف. وفرض ضريبة على الأراضي ليست عملية معقدة, فهي تتطلب معرفة المالك ومساحة الأرض وقيمتها السوقية. ويمكن معرفة قيمة الأرض السوقية ومساحتها، كما أن من الصعب على الملاك التهرب من الضريبة بإخفاء الأراضي أو تصغير مساحتها. ويتخوف البعض من أن المبالغة في قيمة الضرائب على الأراضي يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار الأراضي ويؤثر بالتالي في ثروات الملاك، ويقود إلى عجز كثير منهم عن تسديد القروض العقارية والتسبب بالتالي في أزمة ائتمان تهدد القطاع المصرفي. ولكن هذا الاحتمال بعيد، حيث إن حجم القروض العقارية, خصوصاً المتعلقة بالأراضي في المملكة ما زال منخفضا، ولا أعتقد أن تأثير انخفاض أسعار الأراضي المتوقع سيؤثر بدرجة كبيرة في ملاءة القطاع المصرفي. حتى في حالة تبني أي نوع من الضرائب على الأراضي فمن المتوقع أن يكون مقدار الضريبة رمزياًً وغير مبالغ فيه وسيكون تأثيره في الغالب محدوداً.
ومن المتوقع أنه في حالة فرض ضريبة على الأراضي، سيبرز عدد من القضايا المتعلقة بفرضها، التي منها ضرورة توخي العدالة في فرض الضريبة وأن تكون محسوبة بأسلوب عادل ودقيق. فدفع الفئات السكانية الأقل دخلاً ضرائب أعلى من الفئات الغنية قد يولد امتعاضا لدى هذه الفئات. كما سيتطلب فرض ضريبة بناء كوادر بشرية قادرة على تقييم أسعار الأراضي على أساس علمي جيد. وتوجد معضلات تتعلق بأسلوب التقييم وبالمقيمين لأسعار الأراضي. وهناك ندرة في المتخصصين في تقييم الأراضي على أسس علمية سليمة. فالتقييم السليم ليس عملية سهلة كما يتصوره البعض، بل يتطلب كثيرا من التعليم والتدريب. صحيح أن التقنيات الحديثة يسرت عمليات التقييم وخفضت تكاليفه ولكن لا بد من بذل جهود كبيرة لتدريب أعداد كافية من المقيمين المحترفين. وسيرفع فرض ضريبة على الأراضي المجمدة من ضرورة حصر جميع الأراضي ومعرفة ملاكها وسرعة الانتهاء من تدوين الشهر العقاري لتحديد جميع ملاك العقارات والأراضي بشكل خاص. ويتضح مما سبق أن فرض ضريبة على الأراضي يبرز إلى الواجهة عددا من الإشكالات التي ينبغي التعامل معها، وأن هذا الاقتراح يتطلب مجهوداً كبيراً, خصوصاً في بلدان الخليج العربي التي لا تشغل بالها بالضرائب.
وختاماً لا ينكر أحد وجود تكلفة سياسية تقف وراء فرض أي ضرائب. وستواجه حتى فكرة فرض ضرائب على الأراضي المجمدة معارضة قوية. فملاك الأراضي في أي مكان في العالم يتمتعون بتأثير قوي في عمليات صنع القرار. وسيعارض الملاك بشدة فرض أي ضرائب على الأراضي. وسيواجه أي اقتراح بفرض ضرائب على الأراضي في المملكة ودول الخليج معارضة أشد من أي مكان آخر لأن المواطنين لم يتعودوا على دفع الضرائب. وفي المقابل تجد الضريبة صدى لدى المحتاجين إلى شراء أراضي إذا أدت إلى خفض أسعار الأراضي. وهناك شواهد في بلدان العالم على أن ارتفاع الضرائب على الأراضي يؤدي إلى زيادة استغلال هذه الأراضي وزيادة العمار فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي