عيال قريّتنا والديستوبيا!

[email protected]

تلقيت بالأمس رسالة بريدية من مجموعة إلكترونية، لم أشترك فيها، ولا أعرف أياً من القائمين عليها تطلب مني التوقيع على بيان سيكون بذرة للائحة ادعاء تخص قضية (حسبة) سترفع على أبطال مسلسلي (عيال قريّة)، و(بيني وبينك) بتهمة تلفظ أبطال هذين المسلسلين ألفاظا معيبة وخادشة للحياء، وخروجهم عن المألوف في طرح عبارات لا أخلاقية، وقد وصف الشخص الذي كتب البيان لغة أحد الممثلين بأنها لغة شوارع، ولا أعلم ما مشكلة هؤلاء الأخلاقيين مع الشوارع تحديداً، فكثيراً ما تنسب الكلمات الخادشة للحياء حسب المقاييس الاجتماعية التي تختلف من بلد لآخر بأنها كلمات شوارعية، مما يشير إلى وجود عقدة اجتماعية لدى أغلبية الناس من الشوارع التي يعبرونها كل يوم وهم في طريقهم إلى أماكن عملهم ومنازلهم وأماكن تسوقهم وغيرها.
والمفارقة المضحكة أن أغلب هؤلاء الناس يصنفون الأدب الإنساني العظيم على أنه نبض الشارع، ويطالبون المسؤولين والصحافيين وكتاب الرأي بالنزول إلى الشارع ليتلمسوا هموم الناس كما هي، لكن العقل الباطن لأحدهم سرعان ما ينقلب على هذا الشارع في أقرب فرصة!
إنني أتفق تماماً مع من يدركون جيداً أن هناك فرقا كبيرا بين الفن والسخافة، لكنني أرفض أن يتم اختزال الفن في زاوية (الطوباوية) بحيث تصور الأعمال الفنية فضائل المجتمع فقط لتظهر أفراده كملائكة، متجاهلة الصورة الحقيقية الكاملة لأي مجتمع يجمع النقيضين!
عقب الحرب العالمية الأولى ظهرت مدرسة فنية مستقلة في أوروبا هدفها تصوير الوجه القبيح للمجتمع والتطرف في ذلك، واتخذت لنفسها منهجاً تخريبياً حتى للفنون الموجودة معتمدة على مقولة "باكونين"، التى نادت بأن الهدم قد يكون هو أيضا إبداعا، وانتشر منهج هذه المدرسة التي عرفت بمدرسة (الدادا) أو (الوحشية) كما تنتشر النار في الهشيم وقتها، وطالت آليتها جميع مجالات الفن والأدب، فرسمت اللوحات الفنية الساخرة والصادمة للمجتمع وصدرت الرويات التي تصور أقبح ما في المجتمع بشكل ساخط وبلغة مباشرة وبأقبح الألفاظ، وتجلى منهج هذه المدرسة في أوضح صوره في الفن التشكيلي، على يد الفنان العالمي المخرّب (دوشامب)، وأطلق فيما بعد على الأدب الذي ينحى المنحى الساخط في تصوير قبح المجتمع بسخرية تجنح إلى الكوميديا السوداء بالأدب الديستوبي، فالديستوبيا هي نقيض اليوتوبيا أو الطوباوية التي لا ترى سوى الفضيلة في المجتمع متجاهلة وجهه الآخر، وبغض النظرعن الفلسفة الفنية السابقة البعيدة كل البعد عن السخافة الممارسة باسم الفن في مسلسلاتنا، علينا أن ندرك أن عيال قريتنا الذين سيجرجرون في المحاكم أناس بسطاء جداً، ويعيشون تحت ضغط رهيب للخروج بأي عمل جماهيري دون أي اعتبار للقيمة الفنية، فالمشكلة الحقيقية ليست في استخدامهم للكلمات البذيئة، بل في السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات بشكل سطحي وتافه، وفي النمط الملتزم الذي عودوا جماهيرهم عليه، فمصدر غضب أغلب المشاهدين يكمن في أن المسلسلين يعرضان في وقت الذروة ويشاهدهما الأطفال والنساء، مما تسبب لهم في هذه الصدمة.
إنني أدعو فنانينا إلى أن يثقفوا أنفسهم فنياً، وأن يحاولوا بقدر استطاعتهم أن يضفوا قيمة فنية على أعمالهم حتى وإن كانت أعمالاً ديستوبية تصور الجانب القبيح في المجتمع، كما أطالب الإخوة الذين سيقاضون هؤلاء الفنانين بأن يغيروا القنوات التي تسبب إزعاجاً لهم، وأن يمتنعوا عن شتم الشوارع ، فليس أجمل من شوارعنا لو لا كثير من المطبات والحفريات، التي تحفر كل يوم وتردم ليعاد حفرها من جديد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي