رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ترقيع الرواتب لا يفيد

[email protected]

مع ارتفاع معدل التضخم في المملكة إلى ما يزيد على 11 في المائة حسب التصريحات الرسمية, فإن ما تشهده الأسواق من ارتفاع في الأسعار طال معظم السلع والخدمات, يفوق ذلك الرقم المتواضع في نظر كثير من المراقبين. لكن الأهم أن موجة التضخم يكون لها في الغالب تأثير كبير في معظم أفراد المجتمع ممن يحصلون على مداخيل ثابتة مثل الموظفين, وهم غالبية المجتمع وسواده الأعظم، كما أن من أهم سلبيات التضخم المذمومة والخطيرة تغيير خريطة فئات المجتمع، لأنه يؤدي إلى طحن أفراد الطبقة المتوسطة المتعلمة, وهي الطبقة العريضة والكبيرة في كل مجتمع وقذفهم إلى الطبقة الفقيرة.
وإذا نظرنا إلى موظفي الدولة على سبيل المثال فإن عددهم يزيد أو يقترب من المليون موظف يمثلون نصف عدد العاملين في سوق العمل, وهم يعولون بالتالي نصف عدد السكان من المواطنين، لذا فإن القوة الشرائية لدخولهم تأثرت بشكل مباشر وهو ما أثر بدوره في مستوى معيشتهم وسبب لهم ضغوطا كبيرة في المحافظة على مستوياتهم المعيشية التي تعودوا عليها خلال السنوات الماضية.
إذا كان القانون الفيزيائي المعروف يقول "إن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه", فإن ذلك ينطبق على الموظفين كذلك الذين طالبوا تبعا لقوة مراكزهم وقوة حججهم بتعديل رواتبهم التي يرون أنها متواضعة فتم تعديل رواتب الأطباء والصيادلة ومن ثم تمت إضافة كثير من البدلات إلى رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات, لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا يتم التعامل مع ملف الرواتب بشكل متكامل لا يستثني أحدا, خصوصا أن جميع الموظفين لهم الحقوق نفسها؟ وبعبارة أخرى لماذا يتم استخدام طريقة الترقيع لرواتب ومزايا بعض فئات الموظفين على حساب آخرين يعانون كذلك انخفاض القوة الشرائية لرواتبهم مثل موظفي المراتب والقضاة والمعلمين والمستخدمين والمتعاقدين وغيرهم؟
هناك فجوة في الرواتب كبيرة اليوم بين القطاعين العام والخاص, لا سيما فئة المؤهلين لصالح موظفي القطاع الخاص الذي يتعامل بمرونة أكثر مع حاجات الموظفين المالية، وقد تجد أن الفارق بين موظفين اثنين لهما سنوات الخبرة نفسها ومستوى التأهيل يصل إلى خمسة أضعاف, وهو أمر غير عادل ويدل أن رواتب القطاع العام تحتاج إلى تعديلات جذرية كي تتفق مع متطلبات الحياة الكريمة.
إن سياسة الترقيع المستخدمة اليوم لن تفيد في ردم الهوة في مستويات الرواتب ولن تسكت باقي الموظفين عن المطالبة بتعديل رواتبهم أسوة بغيرهم, بل ستؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه هياكل الرواتب وتعقيدها بدلا من إصدار هياكل جديدة لجميع الموظفين تعطي كل فئة نصيبها من المزايا الإضافية.
الكل يبحث عن تغليب مصالحه, وهذا أمر طبيعي, فعندما وجد أطباء المستشفيات الحكومية أن نظراءهم في المستشفيات الأخرى يحصلون على أضعاف ما يتقاضونه بحثوا عن مداخيل إضافية خارج وقت العمل، والأمر نفسه لفئة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الذين أصبحوا يستخدمون أسماءهم الوظيفية للبحث عن عقود الاستشارة في القطاع الخاص.
لا أجد تبريرا لأن تبقى رواتب باقي الموظفين متواضعة وغير كافية, ولا أجد تبريرا لعدم وجود حد أدنى للرواتب والأجور يحفظ كرامة الموظف ويمنعه من السؤال أو الاقتراض لتمويل معيشته, ولا أجد مبررا للتعامل مع هذا الملف المهم بأسلوب ينم عن تفضيل فئة على أخرى، لأن جميع الموظفين في القطاع العام هم في حاجة إلى تعديل الرواتب ليس فقط لمسايرة أقرانهم في القطاع الخاص بل للمحافظة على مستوى معيشي مقبول, وهذا ما آمل أن توليه وزارة المالية كل عنايتها بأن تبادر من تلقاء نفسها لدراسة شاملة لجميع الرواتب والأجور في السلالم الوظيفية كافة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي