قياس أداء الأجهزة الحكومية .. أكثر من معايير بيروقراطية!
إن قرار إنشاء "مركز قياس أداء الأجهزة الحكومية" لقياس واستخراج مؤشرات الأداء سنوياً يؤكد أهمية الارتقاء بمستوى الخدمات العامة وإدراك أن ثمة فجوة بين تطلعات المواطنين وأداء هذه الأجهزة. فكرة إنشاء المركز تجذب الانتباه إلى ضرورة قياس معدلات الإنتاج الحالية للأجهزة الحكومية وقياس معدلات التغير في إنتاجها وإجراء المقارنة بين أداء فروع الجهاز الحكومي الواحد من حيث الإنتاج والفاعلية وإعداد التقارير الخاصة بذلك. ولا شك أن هذا يصب في اتجاه زيادة الوعي والتعرف على مكامن القصور واستكشاف الأخطاء والعوائق، إلا أن الأمر يجب ألا يتوقف عند مراجعة الأداء في إطاره الفني الإداري، ولكن يجب أن تكون هناك متابعة ومساءلة وشفافية في المعلومات عبر مؤتمرات صحافية تجعل العموم على بينة من الأمر. إن المتفحص للوضع الإداري يجد تفاوتا كبيرا بين أداء الأجهزة الحكومية، وأنها ليست على وتيرة واحدة. فهناك أجهزة تقدم خدمات متميزة تنال الإعجاب والإشادة وأجهزة أخرى متواضعة رديئة مخجلة لا تنسجم مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد! يرجع هذا التفاوت إلى اختلاف في القدرات القيادية والرؤية والفلسفة الإدارية وعمق الثقافة والدراية بالشأن العام ومعارف ومهارات المسؤولين في الأجهزة الحكومية ، وبالتالي الاجتهادات والقدرات الشخصية للمسؤول وليست المؤسسية هي التي تشكل الحالة الإدارية ومستوى التطوير والتنمية الإدارية. وعلى أن هذا التفاوت في الأداء وارد في كل الأحوال إلا أنه عندما يصل إلى مستوى كبير من التباين يثير عدة تساؤلات ويجعل المتابع والمحلل للشأن الإداري الحكومي يلاحظ بوضوح ضعف العمل المؤسسي. هناك من المسؤولين من يندفع نحو التطوير والارتقاء بالخدمة وفق منهجية محددة واستراتيجية مستقبلية واضحة والبحث الدائم عن تحقيق الأفضل، وفي المقابل نجد من المسؤولين من يركن إلى المألوف وعمل الحد الأدنى والاستغراق في العمل الروتيني وتبني فلسفة أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان. وحقيقة الفرق بين القيادات الإدارية تكمن في الفلسفة والرؤية للسلطة العامة وأسلوب ممارستها والمقصد منها. بعض المسؤولين يجد في الوظيفة الرسمية فرصة لخدمة الناس وتحقيق مصالحهم وإحداث التغيير والتطوير المطلوب، والبعض الآخر يكون المركز الوظيفي مجرد بطاقة عبور لمصالحة الشخصية وتحقيق منافع ذاتية وبناء مجد شخصي.
إن غياب هيئات تشريعية منتخبة مستقلة ماليا وإداريا يجعل الأجهزة الحكومية دون رقابة اجتماعية/ سياسية، وبالتالي افتقاد المرجعية التشريعية النيابية التي تضع الأطر العامة للعمل الحكومي بناء على الرأي العام واحتياجات ورغبات العموم. هذه الأطر التشريعية والسياسات العامة هي بمثابة المرشد والمنطلق والحاكم للأداء، المطلوب كفاءة وجودة واستجابة لمتطلبات المجتمع. ولذا دون أسس تشريعية تصدر من هيئات تشريعية تحكم الأجهزة الحكومية سيكون العمل الحكومي مبنيا على قرارات بيروقراطية داخلية فنية إدارية بحتة. وهذا يعني أن البيروقراطيات العامة (الأجهزة الحكومية) تضع معايير أدائها بنفسها! ولذا نجد أن التركيز على الجانب الكمي للخدمة والعمل الإجرائي وليس الفاعلية التي تعني إلى أي مدى الخدمة مطلوبة كما ونوعا وتوقيتا. لا يكفي تقديم الخدمات بكميات وافرة ولكن الأهم هل هي مطلوبة أساسا؟! ولذا مع أهمية قياس الأداء يُخشى أن يتم التركيز على الكفاءة وتحقيق الأهداف البيروقراطية دون ربط ذلك برضا المواطنين وتحقيق احتياجاتهم الفعلية! الطامة الكبرى عندما تكون الإدارة سيئة ولا تمتلك الموارد المطلوبة لأداء العمل فتختلط الأمور ولا يعلم السبب الحقيقي للإخفاق في الأداء. هناك كثير من المسؤولين الذين يجيدون تحليل الأخطاء وإيجاد المبررات التي تبدو منطقية ومهارة فائقة في التملص من المشكلات وتحميلها الآخرين. من أهم ما يتحجج به هو شح الموارد المالية والمادية والبشرية، قد يكون هذا صحيحا لكن المسألة لا تعدو أن تكون نسبية مرتبطة في جوهرها بمدى قدرة القيادات الإدارية على استخدام الموارد لأقصى حد ممكن. الموارد ستكون دائما أقل من الرغبات، هذه حقيقة اقتصادية ثابتة تسمى "الندرة"، ولكنها لا تعني أن يظل المسؤول مكتوف الأيدي، بل محاولة البحث عن بدائل وفرص وحلول وطرق جديدة وموارد ترتقي بالعمل، وهذا هو جوهر الإدارة والغرض من عملية صنع القرار. إن الظروف الإدارية تحتم في كثير من الأحيان "عمل الكثير بأقل القليل"، وهذا ما يميز القيادات الإدارية المستنيرة الواعية الراغبة في التطوير عن تلك القيادات السلبية التي تكبلها الظروف والأحوال وتكون أسيرة لفكر متحجر أو مصالح ذاتية آنية. المحك الرئيس لأي مسؤول هو في السعي الجاد والدؤوب للارتقاء بالخدمة وتحقيق أعلى درجات الرضا لمستخدمي الخدمة. لكن كيف السبيل إلى ذلك وليست هناك هيئات تمثيلية تشريعية مستقلة ماليا وإداريا على المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية تراقب وتحاسب الأجهزة التنفيذية؟ وقبل ذلك تعكس الرأي العام وتبين الاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
إن المشكل الإداري الذي نعانيه هو أداء العمل دون ربط ذلك في كثير من الأحيان بالنتائج، ولذا لم يكن مستغربا أن تكون طوابير المراجعين طويلة وأن يعاملوا بقسوة وأن يستجدوا الخدمة استجداء. لقد أصبح واضحا جليا أنه لا يكفي الاجتهاد في العمل – على افتراض أن هناك اجتهادا - ولكن الأهم أن يفضي ذلك كله إلى تحقيق مصالح العموم وكسب رضاهم. إن الثقافة الإدارية تركز على العمل وتقديم الخدمة في اتجاه واحد دون محاولة جادة في التعرف على ردود أفعال المواطنين والارتقاء بالخدمة كما يرغبون وليس كما يتصورها الجهاز الحكومي. إن غياب هيئات تشريعية نيابية أدت إلى تقوقع لبعض الأجهزة الحكومية والانكفاء على ذاتها دون دافع للتعرف على المتغيرات والمستجدات في المجتمع. لا نستطيع تصور أن تبقى الخدمات العامة عند ذات المستوى دون أن تجاري على سبيل المثال الزيادة في عدد السكان وتغير أنماط الاستهلاك وزيادة التحضر والتغيير الثقافي والاجتماعي. ما كان مقبولا من قبل لم يعد كذلك. إن ظاهرة الطوابير الطويلة والانتظار لوقت طويل للحصول على الخدمة في ظل التقدم التقني وتوافر الأيدي العاملة الوطنية المؤهلة تدعو للاستغراب والاستعجاب! إن الطوابير الطويلة مؤشر واضح لتدني مستوى الخدمة خاصة إذا كان بعض منافذ تقديم الخدمة خالية من الموظفين! وهذا يعكس أحد أمرين، إما تسيب إداري وتراخ يجعل الموظفين غير ملتزمين بأداء مهامهم وأوقات الحضور والانصراف، وإما أن الإدارة لديها شح في الموظفين، وهذا لا يعقل في وضع بلغ معدل البطالة نسبا عالية!
إن الأداء الإداري المتميز يقاس بأربع قيم أساسية: الزمن، التكلفة، الجودة، ورضا مستخدمي الخدمة. المفاضلة بين هذه القيم تكون عبر الإجراء السياسي وليس البيروقراطي الفني. وهذا مكمن القضية الأساسية في تقييم أداء الأجهزة الحكومية، إذ لا يمكن الاعتماد على القرارات الداخلية للأجهزة الحكومية في تقييم الأداء، الذي يتضمن ابتداء تحديد نوع الخدمة وكميتها. إن ما يلزم الالتفات إليه هو أن تطوير أداء الأجهزة الحكومية أمر ضروري وحتمي وهو قضية مرتبطة بقدرة الوطن على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية وليس أمرا ثانويا أو ترفيا. ولذا وجب تناولها من منظور أكبر وأشمل وعدم اختزالها في دائرة الجهاز الإداري والمراقبة البيروقراطية. إن السلطة التنفيذية تتطلب مراقبة من سلطة تشريعية لخلق نوع من التوازن والرقابة بينهما، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الارتقاء بالعمل الحكومي بشكل مستمر ودائم بدلا من استئثار الأجهزة التنفيذية بعملية صنع القرار العام - التشريعية والتنفيذية.