مريم أسلـَمتْ ورحلـَت في رمضان
*أهلا بكم في مقتطفات الجمعة- 269. وأعتذر عن إكمال موضوع دواء أمراض الرحمة (السرطان) الذي وعدتكم الأسبوع الماضي لما استجد في المقتطف الأخير لهذا اليوم.
***
* قضية الأسبوع: الفرسان الثلاثة. والحقيقة أن عنوانَ الفرسان الثلاثة أغراني، فهو الأكثرُ تداولاً في الآدابِ الغربية (The Three Musketeers)، استلهاماً من رائعة الفرنسي التليد "ألكساندر دوما"، كان يجب أن يكون العنوانُ: "الاتهام والقذف عبر الإعلام المفتوح". أولى إشاراتِ نضج الدساتير في الغرب هو صيانة حق الفرد من أن يوصَم أو يُتهم بدون مستندٍ قانوني، بل ذهب القانونُ اللاتيني إلى أن من يتقدم بالاتهام هو النائبُ العام أي مندوب الدولة القانوني، ثم تبعه قانون الأنجلوسكسون، بل إن قانون ولاية كاليفورنيا غرفها من بطن النص الفرنسي.. ليس أمراً عادياً أو حدَثا عابـِراً أن تتهم أحد، كما أن المُتـَّهمَ يجب ألا يأخذ المنحى ذاته، فهو من واجبه - وانظر إلى الاعتبار القانوني هنا، وكل كلمة محسوبة بالصياغة القانونية فجاء الواجبُ قبل أن يكون حقـّاً - أن يتقدم ببلاغ للنيابة العامة، وهي صنعة رائجة بالغرب. وفرساننا الثلاثة المريحُ بسطوعِهم وانتشارهم أنهم لم يقدموا أنفسَهم كُتاباً عاجيين، أو الكتاب ذوي الدم الأزرق، ولم يدعوا أنهم يصنعون فكرا خالصاً، أو يقدمون نظريات فكرية، أو ابتكارا فلسفيا، قدموا أنفسَهم بسطاءَ يمثلون البسطاء، مجرد مواطنين سمحت لهم الفـُرَصُ أن يتبوأوا أهم مركز مؤثر على الإطلاق "كاتب عمودٍ يومي"، فجاءوا من الزحمةِ ليمثلوا آلامَ وشكوى الزحمة والمزحومين. هم من الناس فأحسوا وشعروا بالغبار الذي يبلعه المواطن والمعاناة والغضب واليأس فنقلوا ذلك بجسارةٍ فتألق نجمُهم وعلـَتْ شعبيتهم، ولا يجب أن نسأل ما قصدهم وراء ذلك هل هي للشهرة أو خلافه، فهذا برأيي سؤالٌ معيب، كل ما علينا أن نحكم بالظاهر، ومن أخلاقيات الدين ألاّ نرجم في النوايا. لذا سميناهم الفرسان لأنهم فرسان الشعب، فهم الرئة التي تتنفس آراءُ الأمةِ من خلالهم، وشق صفهم بأي حالٍ ونوعٍ وظرفٍ خلل لا يقبل ولا يُحتمل.. أيـّهم الأهم، أو الأكثر شعبية لا يهم أبدا.. فالناس أحبوهم بما يقدمون ولا هم - كما أحسبهم- طلابُ جوائز.. ولكن أكثرهم حكمة هو الذي سيبادر بالاتصال بزميليه الفارسين الآخرين ليقول: "كفى..، فلنوجِّه أحصنـَتنا لنواصل الدربَ الصحيح..".
***
* انتشر الكُتـّابُ بكثرةٍ وهذا شيءٌ جميل، بقي علينا أن نؤسس تقييمياً يتفق عليه الكـُتـّابُ أنفسُهم لمن تُمنح صفة كاتب. وهل يجب أن يكون الكاتبُ متعلما ومتخصصا؟ هل يعيبه أن يأتي من طاولةِ الوظيفة أو سوق الخضار؟ هل يعيبه قلة التأهيل المدرسي؟ لا أظن. بل أثبت تاريخُ الأعمالِ أن من غيَّر الإدارةَ في الأعمال والمال هم العصاميون، أولئك الحفاة الذين بدأوا من القاع.. ولا أظن هذا يختلف مع الكتاب، ونجمُنا الهادي في هذا أستاذنا العملاق العقاد.. ومعظم شعراء إنجلترا الكبار، وكتابه وكاتباته هم من خارج الأكاديميا والصنعة المهنية.. الكتابة موقدٌ سماويٌٌ ولكنه، نعم، يحتاج إلى شعلةِ الثقافةِ الأرضية، وهذه تأتي بالاجتهادِ والمواكبة وتشغيل الرافعةِ العقلية.
***
* سامح الله اللصوصَ الذين سرقوا منزل حبيبنا وزميلنا الموهوب عبد الله الصايل.. وأرجو ألا يتحسس الصايلُ من دعائي لهم بالمسامحةِ الإلهية، ولكنه رمضان، وربما شيءٌ آخر.. فقد فتـّّق اللصوصُ عبقرية الصايل ليكتب مقالتين في "الاقتصادية" بعنوان "سرقوا منزلي"، من النوعية النادرة التي تـُسمى السخرية السوداء، وهي صنعة لا يتقنها أي أحد ليس فقط لدقة وصعوبة حياكتها، ولكن لأن أكبر ساخري المرارة هم من يعانون المرارة، من تكويهم الحياة. فما وجدتُ السخريةَ السوداءَ في أدب المرفهين حتى لو ملكوا قدرة الكتابة الساخرة، إن من أرفع من قدّم الكوميديا السوداء هو "مارك توين" في الأدب الأمريكي، ولو تقرأ حياة الرجل الصعبة لعجبت أن يحرك عضلات الابتسام، ولكنه أضحك أمريكا، والعالم، ومازال، وأبكاهم. لقد قدم الصايلُ بأسلوبـِهِ المفعم بالتصوير ومشاهد كرتونية جيدة الحبك والربط أحزانه وغضبه ويأسِه نفيرا للمجتمع كي يستيقظ على جرائم السرقة التي ثارت كحريق في كـُتـَلٍ من الأخشابِ الجافة.. لقد نجح الصايلُ في إيقاظِنا على الظاهرة بلكمة من الضحك المر.. ونجح أن يغمس قلمه بقلبه وعرقه وماله الذي ضاع. وأرجو اللصوصَ - سامحهم الله - ألا يعتبروا هذا دعوة لإعادةِ الكرَّة، فكل خوفي أن يكونوا من محبي قراءة الصايل!
***
* وفي قناة الرأي الكويتية أجرى الشيخُ محمد العوضي لقاء مع الأمريكيةِ مريم التي أسلمت في رمضان الماضي، وكان اسمها روزماري، وغيرته بالمقابل العربي إلى "زهرة مريم".. لم تكن مريم على قدرةٍ كاملةٍ بالعربية، ولكنها عبّرت بخليطٍ من العامية والفصيح القليليْن، إلا أن شعورَها كان غامِرا متدفقاً كشلالٍ من الفرحة كمن لتوِّهِ اكتشف كنزاً هائلاً بعد فقرٍ وشظـَف، فهي لا تقفُ عن الابتسام ولا عن لازمة (ما شاء الله) إنها تتطعّم بلفظِ الجلالة (الله)، وكلما ذكرتهُ اتجهت يدَها لا شعورياً إلى موقعِ قلبها.. يا ألله، فهي أسعد الناس على الأرض. وهي تقول إنها فرحت (ما شاء الله) أكبر فرحة بإسلامها، وأن من يذق صلاة الجماعة مع الناس (ما شاءَ الله) لن يعرف مذاقَ سعادةٍ أبدع فيما بعد، وأنها سمعت صوتَ الشيخ "مشاري العفاسي" في المسجد الكبير في الكويت، فعرفت مذاقا آخرَ للدموع "دموعٌ نظفتْ قلبي وروحي، ما شاء الله"، ولما حضرت درساً للشيخ "نبيل العوضي" صاحب العبارة المتأنية الواضحة، والحنجرة الزاهية، تقول مريم إنها فهمت درسَ الشيخ نبيل، ثم لم تتوقف عن البكاء حتى الفجر.. "ما شاءَ الله". كان لقاء فيه من مشاهدِ السماء، رقـَّتْ زهرة وتألـّقتْ وأضاءتْ إيمانا، وكان الشيخُ محمد في أحلى هالاته. ثم.. هاتفني الشيخ محمد والحزنُ المهيبُ مجللا صوته مع سعادةٍ خفيةٍ ذائبة في الروح والدمع ليخبرني أن مريم بعد تصوير الحلقةِ عادت للأردن.. وتعرضت لحادث سيارة، وسلـّمت الروح..
أسلمت مريم في رمضان، وماتت مريم في رمضان.
ما شاءَ الله..