رسالة إلى المجلس الاقتصادي الأعلى: هموم مواطن بسيط
من مواطن بسيط قهره التضخم وتفاجئه المواسم تتبعها المواسم وتفجعه التفسيرات التنفيذية للقرارات الاقتصادية العليا. فالتضخم أصبح كالدهيماء كلما قلنا هدأ زاد حتى لم تبق صناعة ولا سلعة إلا دخلها وللتجار في ذلك مذاهب بدأت بارتفاع الأسعار العالمية ثم انخفاض الدولار، ولما تدخلت حكومة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بالدعم وزيادة الرواتب قالوا المخازن ملأى بالبضاعة غير المدعومة. وطال عليهم الأمد حتى وجب الالتزام بالدعم فجاءت الأعذار بالمواسم ولكل موسم تضخمه فمن المدارس إلى رمضان ومن الإجازات إلى الاختبارات والمستهلك على كل حال هو السبب لأنه ببساطة يريد أن يأكل ويعيش. ترتفع أسعار الحديد وبدلا من أن تهدأ أسعار الأراضي تزيد ولذلك لم يستطع رئيس مجلس إدارة "سابك" أن يكمل بيته! لكن العجيب أن الحديد مكدس عند التجار ومعه حليب الأطفال ولا أعرف ما العلاقة بين تكديس حليب الأطفال والحديد إلا إذا كان تجار الحديد هم من يبيع حليب الأطفال وعلينا أن ندفع ثمن احتكاراتهم هذه. تتراجع الأسعار العالمية لكنها لا تتراجع في أسواقنا فهل نحن في حاجة فعلا إلى وزارة للتجارة أم للتجار؟
وإذا كانت النظريات الاقتصادية تؤكد أهمية الاستثمار فإنه لدينا أصبح أكثر استهلاكا لمدخراتنا من غلاء الأسعار. سوق الأسهم – مرتع الفكر الاستثماري- نستثمر فيها لنعزز قيمة مدخراتنا فإذا بنا نعزز احتكارات المحتكرين. نهرب منهم في سوق السلع ليظهروا في سوق الأسهم وكأنهم الموت نفر منهم ليلاقونا. يملكون الشركات ثم يمنون علينا بـ 30 في المائة لتهوي الشركة بعد شرائنا لها إلى أقل من قيمة شرائها – سعر الاكتتاب. نصبر ونقول سيرتد السوق ولابد له من عودة وللاستثمار مخاطر لكن هيئة السوق لا تهدأ. وكأنه لم يكفيها مخاطر الاستثمار العادية حتى تضيف لها مخاطر لا نعرف كيف نقيسها. السوق السعودية ذات مواسم غير عادية فمن إجازة الصيف إلى رمضان ومنه إلى إجازة عيد الفطر إلى موسم الحج وإجازة عيد الأضحى وهكذا لم يبقى لنا إلا خمسة أشهر بالكاد تصفو فيها سماء التداول لكن لهيئة السوق فيها غمامة. فالقرارات تتبعها قرارات وكل قرار يسبقه انهيار فلا نكاد نصحو من موسم إلا فاجأنا قرار ولا نكاد نفيق من قرار إلا جاءنا موسم حتى ضعنا بين مواسم وقرارات واحتكارات فهل نحن في حاجة إلى هيئة لسوق لا تعمل على وجه الحقيقية إلا شهر؟
تم تطوير نظام تداول أو هكذا قيل لنا لكن الحقيقية أنه لم يتغير شيء وما زالت هناك أعطال من قبل بعض شركات الوساطة – البنوك - بسبب ودون سبب. تصدر هيئة السوق قرارات لتنظيم الصناديق الاستثمارية والإفصاح عن قوائمها المالية لكن الحال هو الحال فهيئة السوق المالية لا حول لها ولا قوة أمام هيمنة مؤسسة النقد على أعمال البنوك وصناديقها ولم يكن قرار صفقات التبادل إلا استجابة للضغوط فهذه الصفقات كانت تتم بشكل غير معلن، ونتذكر جميعا انهيار شباط (فبراير) 2006 ومن شكك بوجود الأموال الحارة. فكل ما قدمه قرار صفقات التبادل أن أضفى الشرعية لمثل هذه التصرفات فعدم الإعلان عن مثل هذه الصفقات ليس جريمة ولكن إذا حدثت - وهنا بيت القصيد – فليست أيضا جريمة. وهكذا يصدر القرار من جهة وتعارض تنفيذه جهة وتصرح بذلك جهة ومن يتابع التصريحات حول السوق الموازية – الثانوية – يعرف حجم المأساة.
ونحن تحت وطأة الضغوط التضخمية بفعل التجار الاحتكاريين وضياع ثرواتنا في سوق الأسهم بفعل الهوامير – المحتكرين للأسهم والشركات المحتكرة للسلع – فإن الأمل بقي معقودا على أن تتفضل الحكومة على المواطنين بتخفيض الرسوم الحكومية المختلفة. وفعلا صدرت قبل عدة أشهر قرارات أثلجت الصدر عن تخفيض الرسوم الحكومية إلى النصف. لكن التنفيذ ليس بسرعة القرار. فقد كان علينا أن ندفع ثمن البيروقراطية على شكل فروق أسعار ومخالفات إذا تأخرنا عن السداد بانتظارنا تنفيذ القرار. ثم لما بدأ التنفيذ وجدنا رسوم لا ينطبق عليها ورسوم لا يذكرون عليها القرار افتراء عليه أو علينا. ثم جاءت فكرة تعديل الرسوم بعد القرار بحيث لا ينطبق عليها لأنها أقرت بعده! أو ليست رسوما حكومية؟ فإدارة المرور تصر على أن يدفع طالب رخصة السير رسما قدرة 400 ريال وفقا للائحة المرور الجديدة لأن قرار التخفيض لا ينطبق عليها فالائحة صدرت بعد القرار.
وإذا كان شر البلية ما يضحك فكأننا لم نكتف بهموم التضخم والأسعار والرسوم الحكومية وانهيار سوق الأسهم حتى تحدث أزمة في الموانئ التي تعد أهم بوابة للسلع و البضائع في دولة مستوردة لكل شيء. فمع حدوث أزمة في هذه الموانئ تزامنا مع الأزمة الاحتكارية وارتفاع الأسعار وموسم العيد والإجازة التي يتبعها موسم العودة للمدارس، إضافة إلى أزمة المياه فإننا على أبواب موجه غلاء فاحشة. لكن المؤلم أن يصرح مصدر مسؤول أن أزمة ميناء جدة سببها النمو العالمي، الحقيقة إنني لا أملك تعليقا على هذه المقولة لكن عش صائما في رمضان وأنت تستمتع بانهيار سوق الأسهم لتسمع عجبا من تبريرات الجهات الحكومية.